Site icon الحرية نت

أمتنا و سياسة المرحلة…فلسطين/المحجوب ولد السالك

كانت الخلافات تظهر من حين لآخر بين بعض الصحابة رضوان الله عليهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه صاحب المدد الإلهي و معين الوحي المتدفق و قد تطور هذا الخلاف بعد وفاته عليه الصلاة والسلام ؛ حيث دخلت عوامل عدة على الخط فنجحت في توتير الأجواء و دفعت بالغلو في التأويلات و نبشت في تاريخ و ثارات الجاهلية حتى وجدت ضالتها و خرجت الأمور عن نصابها، فكان من نتائج ذلك مقتل الخليفة الثالث عثمان رضي الله عنه و هو من هو عدلا و ورعا و سابقة في الإسلام؛ و بتلك الفعلة الشنيعة انفجرت الأوضاع و خرجت عن السيطرة و انشطرت الدولة الإسلامية أقوى دولة في العالم آنذاك ؛فبدأت قعقعة الأحلاف داخل أمة الجسد الواحد و سالت أنهار من الدماء الطاهرة في معركة صفين و في غيرها و نال الناس حظهم من التسفيه كما نال أصحاب الحل و العقد نصيبهم من الاجتهاد و الخطإ بتكافئ مذهل ، و في ظل هذه الحال تعاظمت حدة الانقسام فتعددت مشارب أهل السنة ، و انقسم الشيعة إلى طوائف ، و الخوارج إلى مجموعات ؛ و بات لعن الصحابة على المنابر أمرا عاديا …وقعت تلك الفتنة السياسية الكبرى بين كبار الصحابة الأجلاء العدول رضوان عليهم :بين علي بن أبي طالب و أبي موسى الأشعري و عبد الله بن عباس… و غيرهم من جهة، و معاوية بن أبي سفيان و طلحة بن عبيد الله و الزبير بن العوام …و غيرهم من جهة أخرى …يا عجبا !!!..علي و معاوية رضي الله عنهما…رأسا الحكمة و العقل و الحلم وقوة التدبير…نعم علي كرم الله وجهه الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ) ..ثم معاوية بن أبي سفيان الذي سئل عنه سعيد بن المسيب رحمه الله :أنت أفضل أم معاوية ،فأجاب: لغبار في أنف حصان معاوية أفضل مني ، و سئل عنه حليم العرب الأحنف بن قيس :أأنت أحلم أم معاوية ؟ فأجاب: ويحكم معاوية كان يقدر و يحلم ، و أما أنا فكنت أحلم لأني لا أقدر ، الشاهد في هذا الاستعراض أن مكانة هذا الجيل من الأخيار لم تحصنه من الخلاف و التنازع و الزلل أحيانا…لقد انقسموا و اقتتلوا!! فما بالكم بنا نحن أهل القرن الواحد والعشرين؟! قرن المحن و فوضى المعلومات ، ألسنا معرضين للخلاف و الاختلاف أكثر منهم ؟ …الجواب المؤكد هو بلى ….إذن فلنتوقف عن تغذية خلافاتنا الكثيرة و نكء جراح الماضي المؤلمة و لنعمل بدلا من ذلك على لجم تلك الخلافات و تثمين المشترك و الأصل الثابت الذي نقف عليه كأمة مسلمة قدرها الابتلاء بالخير و الشر ولنمد يد الصداقة لمن وجدناهم وقت الشدة فبذلوا لنا المعروف في موقف ما ، و ليس من الضروري أن نتوقع منهم هذا المعروف في مكان أو زمان آخر ،فلو ربطنا التعاطي مع كل مساند بمنطق الوفاء المطلق و نحن في معارك لا تنتهي إلا لتبدأ لانتحرنا تكتيكيا و من يفكر بهذا المنطق يشبه الغريق الذي يمتنع -وهو يغرق- عن حبل النجاة و يشتغل بلعن و شتم المنقذ لأن هذا المنقذ صفعه ذات مرة عندما تشاجرا في الصحراء …هذا المنطق هو الذي يريد لأهل غزة أن لا يقبلوا أسلحة إيران؛ لأن هذه الأسلحة بكل سذاجة تقتل السنة في اليمن و سوريا …و هو المنطق الذي يقول لأهل الضفة الغربية لا تأخذوا فلسا واحدا من دولة الإمارات لأنها دولة مطبعة مع إسرائيل و طيرانها يضرب في ليبيا و مع ذلك نجد نفس المنطق متسمرا في الطابور ينتظر حفنة أرز من الأونروا أو حبة آسبيرين من الصليب الأحمر و هما لجنتان دوليتان تساهم في تمويلهما أمريكا و إسرائيل…أي تدبير هذا الذي لا يتعامل مع سياسات المراحل و لا يميز بين الكليات و الجزئيات و بين المهم و الأهم و بين الحقيقة و الحق ..بين الواقع و المأمول؟!…لا يجوز أن ننكشف بهذه السهولة و نضيع في الخلافات الجزئية و الوجدان القومي القاصر و الخلافات المذهبية ؛ بل علينا أن نتخاطب كامة واحدة و أن نخاطب سكان المعمورة بمنطق أمة قادت العالم و تستعد لقيادته مرة أخرى.

المحجوب ولد السالك 16مايو 2021

Exit mobile version