sliderمقالات ورأي

محمد محمود ولد بكار ـ يكتب: فرانس أفريك ما تزال قائمة

ماكرون أسوأ الرؤساء الفرنسيين فيما يخص العلاقة مع المستعمرات السابقة، ويشبه شارل ديغول من جهة إخفاء النوايا الحقيقية.

قام ممادي دومبويا (قائد تجمع القوات الخاصة التي أنشأها الرئيس الفا كوندي سنة2018 مع بداية ارهاصات المأمورية الثالثة في غينيا كوناكري ،وأسند إليه قيادتها ) بانقلاب عسكرى ناجح ضد آلفا كوندى المتمرد على الفرنسيين الذين يكرهونه بالمقابل لأنه يشجع تمرد القصور الرئاسية في إفريقيا على “سيدتهم “التي ما تزال تجني على ظهورهم 500مليار يورو سنويا. فمن ريع عملة الفرنك الإفريقي الذي يتم تداوله من طرف 12 دولة ،إلى اليورانيوم من النيجر ، والكاكاو من ساحل العاج ، والنفط من النيجر وغيره، تعيش فرنسا التي تواجه مشاكل تسيير خطئها في دخول مالي الذي يكلفها قرابة مليار دولار سنويا والحفاظ على قرابة 5000جندي في الأرض المالية ،فهل هي بحاجة لرسائل قوية تهز عروش المنطقة وتذكرنا بفرانس آفريك .
الخطة كانت ذكية جدا: ممادي ديمباي، الرئيس الجديد لكوناكري عضو من قوات المرتزقة الفرنسية التي تتشكل فقط من الأجانب وتقوم بمهمات عسكرية خارج فرنسا ،يتم تكوينها بشكل جيد وتمتد خدمتها من خمس إلى عشر سنوات كقوات التدخلات الفرنسية الخاصة التي تخدم أهداف فرنسا القذرة في القارة ،موت أي عنصر من هذه الجماعة أو حياته لا تهم أحدا ولا يوجد من سيسأل عنه الحكومة الفرنسية وهي بالتالي مجموعة من المرتزقة الأوفياء لفرنسا ولا يعرفون غير فرنسا .
بعد انتهائه من الخدمة توجه ممادي إلى سفير غينا في باريس-من رتّب نجاح هذا اللقاء؟- وطلب منه أن يسهل له لقاءً بالرئيس كوندى ،وعند لقائه به وثق به وعينه ضمن حرسه، وبعد ذلك وضعه على رأس هذه القوات رغم تحذيرات كل محيطه الشخصي ووزير دفاعه الذي لاحظ حرص ممادي على الاستقلال بقواته القوية الجديدة. .
لم يهتم كوندى بكل تلك التحذيرات (تماما مثل ما وقع لمعاوية ولسيدي ولد الشيخ عبد الله ،لعل نفس التحذير قائم من سوء البطانة، لاعلينا )، منح كوندى للرجل الذي عرفه مؤخرا كامل الثقة فقط لأنه من مجموعته الاجتماعية دون أن تكون بينهم سابق ثقة ،لم يفكر بأن الرجل ربيب فرنسا عدوّته التي تكرهه وربما تدبر له شيئا في الخفاء فقد كان يوجه لها سهام النقد الحادة على المنابر في قضايا حساسة مرتبطة باستغلال الخيرات الافريقية ومسؤوليتها بالتالي في الفقر والإرهاب وعن تدمير ليبيا وتحويلها للصومال ونشر السلاح في المنطقة مما أدى إلى الوضع في مالي وغيره من النقد اللاذع. وهكذا نجح الانقلاب الفرنسي في كوناكري دون أية مشاكل ودون أن ينتبه أحد لمخططها قبل نجاحه، وهكذا تم طي صفحة كوندى للأبد .فهل هناك رسالة رقم 2 للقارة؟
إنقلاب في مالي وواحد في غينا كوناكري في غضون شهور وأصابع الاتهام توجه لفرنسا التي غيرت صورتها في الخارج من أنها لم تعد تدعم الانقلابات وعدم الاستقرار في إفريقيا ،بعدما حلت خلية “فرنسا إفريقيا في الإليزي” التي اغتالت وأطاحت بـ 22 رئيسا إفريقيا على مدى أل 50 سنة من أجل أن تتحكم فرنسا في أفريقيا من وراء ستار لمدة 50 عاما والحفاظ على عملائها في إفريقيا .
لقد بدأت خلية فرانس آفريك- لمن لايعرفها- عملها مع تأسيس الجمهورية الخامسة الفرنسية ، مع وصول “شارل ديغول” إلى السلطة عام 1958، حيث منح ديغول اتفاقا لـ 14 مستعمرة فرنسية سابقة في أفريقيا تحصل بموجبه على استقلالها بعد عامين ، مقابل اتفاق أمني مع فرنسا، اتضح فيما بعد أنه يشمل بنودا غير معلنة تمثل الاستعمار المقبل من خلال السيطرة على النخبة وعلى الموارد، ماتزال سارية المفعول إلى الآن. ويتضمن هذا الإتفاق وضع نسبة 85% من مدخولات هذه الدول تحت رقابة البنك المركزي الفرنسي، مقابل البنية التحتية التي ادَّعى الاستعمار تشييدها، وقد جلبت فرنسا إلى خزائنها بموجب هذا الاتفاق قرابة 500 مليار دولار عاما بعد الآخر، وكذلك الحماية العسكرية والحماية من الانقلابات كما أعطى الاتفاق فرنسا الحقوق الحصرية في الحصول على أي مواد خام تُكتَشف في أراضي مستعمراتها السابقة، كما منح الشركات الفرنسية أولوية في أي أنشطة اقتصادية في هذه البلاد، في حين احتكرت باريس وحدها عقود التدريب العسكري وحقوق الأنشطة الأمنية في هذه البلدان التي أُجبرت، بموجب الاتفاق ذاته، على التحالف مع فرنسا في حال خوضها لأي حرب كما ضمنت الدول الإفريقية للشركات الفرنسية استغلال الموارد الاستراتيجية كالماس واليورانيوم كما النيجر والغاز في الجزائر والنفط في الغابون حيث حصلت شركة “أَلف” على 70% من عائداتها النفطية بموجب اتفاق مع الحكومة الفرنسية.
وقدر الوجود الفرنسي اليوم بواسطة تلك الامتيازات في القارة: 1100 شركة كبرى، و2100 شركة صغرى وثالث أكبر محفظة استثمارية بعد بريطانيا والولايات المتحدة.
لقد تم الكشِف عن هذه الشروط وغيرها في منتصف التسعينيات إثر الفضيحة الشهيرة التي عُرفت آنذاك باسم قضية “ألف”، اختصارا لأسم شركة البترول الوطنية الفرنسية “الف آكتين” التي أصبحت تعرف بـ “توتال” وكانت هي المشرف على تنفيذ بنود ذلك الإتفاق من خلال عملها الاستخباراتي ، تحت قيادة وزير المحروقات الفرنسي السابق “بيير فيوما”، وفق مخطط أمين عام الإليزيه للشؤون الأفريقية، ورجل فرنسا الأول في أفريقيا، “جاك فوكار”، الذي عمل بأوامر مباشرة من الرئيس الفرنسي “شارل ديجول” شخصيا على نسج هذه العلاقة التي لم تكن شفافة بل كانت أبوية وفيها تحكم .حسب مركز شاتم -هامس البريطاني .
خلية الظل التي كانت حتى وقت قريب علنية ماتزال إلى الآن موجودة في الخفاء بأساليب مختلفة تُدير مصالح فرنسا في أفريقيا.فقد دمر ساركوزي ليبيا بسبب رفض القذافي زيادة ضخ النفط وعدم توقيع اتفاق بوينگ ب 4مليار أورو .
وفي إبريل 2011، كانت الطائرات الفرنسية تُحلِّق في سماء أبيدجان بكثافة تُدمِّر مستودعات الأسلحة حول المدينة بصواريخ تقذفها من سماء المدينة ، وتحولت بعد السيطرة على مطار أبيدجان، إلى القصر الرئاسي حيث يوجد “لوران غباغبو”، الذي كان يريد إلغاء نتائج الانتخابات التي فاز بها منافسه “الحسن واتارا” التابع لفرنسا .
وبعد ذلك جاء الرئيس الفرنسي الضعيف هولاند الذي طالب على هامش الاجتماع الأوروبي الإفريقي في باريس 2018 من مجموعة الساحل الحرب بالنيابة عنها الأمر الذي اعترض عليه الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز حينها والذي كان وجه انتقادات لاذعة للأوربيين عندما منحوا موريتانيا 23 مليون يورو في حين منحوا لليوميات التي ليست من بلدان المواجهة 68 مليون يورو وتوجه للسعودية لتمنحه 50مليون دولار هي التي تحرس بواسطتها موريتانيا حدودها عبر الجو حالا .
وحاليا يسعى ماكرونه في كل مناسبة لتهديد قادة دول الساحل بالانسحاب من مالي وقد استدعاهم عنده بدل الذهاب إليهم ليطلب منهم مجددا خوض الحرب عنهم بالوكالة ،وبدأ تنفيذ تهديده بالانسحاب الجزئي .الضغط الفرنسي على موريتانيا كبير جدا خاصة بعد وفاة الرئيس تشادي إدريس ديبى .
وقبل ذلك وأثناء حصولنا على أول تناوب سلمي للسلطة ظنا منا أننا خرجنا من قبضة فرانس آفريك دعمت فرنسا الانقلاب 2008 الذي أفسد حلمنا وها هي اليوم تجدد للعالم أنها ما تزال تملك الوصاية على إفريقيا وأن فرانس آفريك حية ترزق وإن كان الإسم إختفى. وشركة elf غيرت جلدها وذبحت على إسم جديد هو توتال .


محمد محمود ولد بكار

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى