هاشتاق

دولة في مواجهة رجل… الطريق نحو السجن

عند عودة ولد عبد العزيز إلى الوطن بعد خروجه من الحكم، وجد الأرضية لزجة ومهيأة بكل الوسائل الأمنية والقانونية والإعلامية للانقضاض عليه، وتصفيته من المشهد، وبحكم تجربته العسكرية والسياسية استنتج كل الخطوات التي قد يؤول إليها الملف لكنه رغم محاولات التهدئة المبطنة بالتغييب والإقصاء، ورغم مخاوف محبيه من عواقب إصراره على البقاء داخل البلد ومحاولته التمتع بحقوقه المدنية التي يكفلها له القانون من ممارسة لحقوقه السياسية وحريته في التعبير، إلا أنه اتخذ قرار المواجهة، فكان الرجل الصلب الأعزل في مواجهة دولة بأكملها.
بدأ تنفيذ أجندات الاستهداف بمنع الرئيس السابق من الخروج من العاصمة أثناء توجهه لمدينة بنشاب حيث تم إعلامه بذلك عن طريق أفراد الأمن على مشارف نواكشوط، تبع ذلك إصدار وكيل الجمهورية بأمر يمنعه من الخروج من العاصمة، ثم أمر آخر يلزمه عدم مغادرة نواكشوط الغربية حيث يقيم، ليتطور التضييق بعد ذلك بفترة قصيرة إلى فرض الإقامة الجبرية عليه.
ظل ولد عبد العزيز يرقب ويدون خارطة تقدم جيش الدولة على طريق سجنه، جاعلا من نفسه الطعم الذي سيجعل أعداءه يكشفون حقيقتهم للشعب بتصرفاتهم، لكن القوم لم ينتبهوا وواصلوا الزحف نحو حافة الجرف وهم يحسبون أنهم يقتربون من زاوية النهاية التي يأملون حشر الرئيس السابق فيها.
حرص ولد عبد العزيز على الاستجابة لكافة الأوامر القضائية والأمنية التي اتخذت ضده، فواظب على التوقيع مدة شهر كامل احتراما لإجراءات الرقابة القضائية المفروضة عليه، أثارت تلك الاستجابة حفيظة الخلية الإعلامية التي تبحث عن قرائن تثبت شيطنتها للرجل طوال سنوات، فاقترحت على الجهات المستترة خلفها القيام باستفزاز ولد عبد العزيز ليسوقوا ردود أفعاله الحادة المتوقعة على أنها فظاظة وخروج على المساطر القانونية واحتقار للدولة، إذ تمت مطاردته من قبل أفراد من الأمن بملابس مدنية ويستقلون سيارات مدنية، لكن فاجأهم الرئيس السابق برد فعل سلمي فضح سلوكهم وعرى نياتهم، حيث تقدم بشكوى لدى القضاء من مجهولين ملثمين يطاردونه، ما أجبر إدارة الأمن لاحقا تحت الحرج الشديد من الاعتراف في بيان بأن السيارات والأفراد يتبعون لها، دون أن تجد مبررا مقنعا لكونهم يخالفون القانون بعدم ارتدائهم ملابسهم الرسمية وعدم استقلالهم لسيارات أمنية.
أقدم الرئيس السابق بعد حجزهم في زاوية الفضح على خطوة السير على أقدامه إلى إدارة الأمن خلال أيام التوقيع وذلك حفاظا على سلامة أفراد الأمن الذين ادعت إدارتهم في بيانها بأن ولد عبد العزيز حاول ومن يرافقونه تعريض حياة أفرادها للخطر.
ولأن الشعب كان يراقب مجريات الأمور بصمت قررت الجموع العفوية من المواطنين اللحاق بولد عبد العزيز أثناء مسيره لتحيته والتضامن معه في وجه ما شاهدوه من استهداف ممنهج وقف وحيدا في وجهه.
لم يتوقع قطب التأزيم دخول بسطاء المواطنين على خط المواجهة، فتحركت شخوص المسرحية لتعجيل كتابة الفصل الأخير قبل عجزهم عن ضبط الجمهور وكتابته بنفسه لذلك الفصل، بادرت السلطة السياسية في البلد إلى صياغة عدة إنذارات وجهتها له عبر إدارة الجرائم الاقتصادية، و في تسارع مريب أدخلوا وحدات مكافحة الشغب ووحدات مكافحة الإرهاب على مسار الرئيس فقطعوا الطريق أمام الرئيس ومناصريه وباشروا قمعهم وسحلهم ومصادرة هواتفهم، حينها لم يتحمل ولد عبد العزيز ما شاهد من ظلم يمارس على مواطنين عزل أتوا لتحيته، فقرر عدم استخدامهم كدروع بشرية و عدم استغلال آلامهم إعلاميا في قضيته، فضحى بحريته وهو المدرك جيدا لعواقب تغيبه عن التوقيع و المتأكد من قصد أعداءه من ورائها وهو سجنه، لكن كان ضميره الانساني أكثر سطوة عليه من تقديمه لمصلحته الشخصية.
قام دفاعه بالتقدم بشكوى لدى قاضي التحقيق من الممارسات التضييقية ضد موكلهم لم تلقى تلك الشكوى أي جواب، إذ كانت إحالة ولد عبد العزيز إلى المعتقل أولى من النظر في تظلم الدفاع، أنشأ معتقله وجهز صبيحة يوم اعتقاله مما يؤكد أن السلطة التنفيذية كانت طرفا في اتخاذ قرار قاضي التحقيق الذي ظهر أنه اتخذ صباح ذلك اليوم قبل صدوره عشية إحالة الرئيس السابق إلى السجن.
لله در رجل في زمن الجبن ينزل إلى ساحة النزال لمواجهة دولة كاملة وهو في كامل قواه العقلية ويتمتع بكامل شجاعته وإقدامه.
حسن أمبيريك

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى