مقالات ورأي

حمدي جوارا: مالي.. بين ضغط فرنسا وصفقة روسيا

غالبا يقال إن الدول الغربية متفوقة في التخطيط الاستراتيجي والسياسي ، لكن فيما يبدو أنها ظهرت مؤخرا وكأنها بدأت تفقد تلك البوصلة السياسية الاستراتيجية سواء كانت تلك الدولة أمريكا في أفغانستان والتي خرجت منها بعد 20 سنة حرب استخدمت فيها كل أسلحتها المتطورة من أجل إركاع حركة مسلحة فباءت بالفشل في النهاية ثم حاليا نرى فرنسا وهي تتخبط خبط عشواء في مالي وفي الساحل بعد 8 سنوات من التدخل وما زالت الامور أكثر قتامة مما سبقت تدخلها وإلى الآن.

في البداية كان التدخل الفرنسي مرغوبا لدى غالبية الشعب المالي واستقبل الفرنسيون كقوة جاءت لمساعدة مالي في توقيف زحف المتمردين الذين أتت من بلاد مجاورة وتشير الدراسات أنهم أتوا إلى مالي بعد وعود لهم بتقديم وطني قومي لهم في حال تخلوا عن القذافي وتركوا السلاح ..

والذين تحالفوا مع الإرهابيين بعد مجيئهم فسيطروا بذلك على مدن الشمال .

هذه المقدمة ضرورية لفهم الخارطة السياسية الحالية …

بيد أن هذه الحفاوة بفرنسا لم تدم طويلا بالنسبة للشعب المالي بل وقبل ذلك فقد عملت فرنسا في فصل التحالف بين المتمردين والارهابيين حتى تقاتلوا فيما بينهم فتم طرد المتمردين من مدينتي تومبكتو وغاوو في الشمال من قبل الإرهابيين واستقر بهم القرار في مدينةكيدال بدعم من فرنسا .

وحين وصل التحالف الدولي إلى كيدال وكان معهم الجيش المالي قررت منع الجيش الوطني المالي من دخول المدينة لأنها وفي ذهنيتها السياسية أن هذا الجيش سيقتل الأبرياء بسبب الثأر بل كانت خطة بتوافق مع قادة التمرد حينها .

وكان المقابل أن يساعدوا فرنسا في تخليص رهائنها من الارهابيين وعملوا على تحييد فريق من جماعة أنصار الدين الارهابية وسموها الحركة العربية الازوادية .

لم يفهم الماليون هذا القرار والخطوة الفرنسية الأحادية الجانب وهكذا تم ترسيم المشهد في مالي بهذا الشكل فالجيش سمح له بالتحرك في تمبكتو وغاوو ولكن في كيدال سلّمت إلى المتمردين وأصبحت مدينتهم الفاضلة .

المهم واصلت فرنسا عملها في محاربة الإرهابيين ومحورت تدخلها في هذا الأساس وحاولت أن تتغافل وتتناسى أن التدخل أساسا لم يكنمن أجل محاربة الإرهابيين فحسب ولكن لمساعدة مالي لإعادة كامل ترابها الوطني ..

وهو مالم يحصل بعد ٨ سنوات من تدخلها ، بل إن الوضع أصبح سيئا جدا عما كان عليه منذ عام ٢٠١٣م ..

وصعدت بعد ذلك موجات في مالي بدأت تنتقد لعبة فرنسا القذرة وظهرت امام أعين الجميع ماضي فرنسا الاستعماري ، وأصبح الندم والامتعاض هما سيد الموقف بين الماليين فهم قد سعوا بظلفهم إلى حتفهم حين استنجدوا بفرنسا ولم تكن لديهم قراءة صحيحة لإمكانية مراوغة المصيدة الفرنسية أو الاعتراض عليها وتجاوزها ولا أبر~ نفسي في ذلك ..

ووقعت حكومة إبراهيم بوبكر كيتا وثيقة تعاون عسكري مع فرنسا كان منها أنها لا تسمح لمالي عقد صفقات عسكرية مع أي جوانب وجهات أخرى الا بمباركة فرنسية بل ومشاركة لها فيها ومراقبتها لها ..

وبدأت أصوات الاعتراض على النظام السابق تتعالى وتأخذ مساحة اكبر في طول البلاد وعرضها بل حتى بدأ التفاعل الافريقي مع هذه الأصوات تأخذ مساحة أكبر في النقاش السياسي الافريقي .. وذلك بسبب تردي الوضع الأمني ومحدودية النتائج الفرنسية التي لا تكاد ترى بالمجهر رغم قوتها المتفوقة عسكريا ،وزاد الطين بلة أن قوات الأمم المتحدة بقيت رابضة في أماكنها مدعية أنها لم تأت لمحاربة الإرهابيين وإنما لتأمين المناطق .

وهنا جاء الانقلاب العسكري في العام الماضي بعد سلسلة احتجاجات شعبية أدى إلى ذلك المصير الذي يعرفه الجميع ثم حصل انقلاب ثان لتعديل المسار وأصبح العسكر هو الآمر الناهي في البلاد .

وهذا أزعج فرنسا وأزعج كثيرون يتناغمون معها في المنطقة في نفس الخط السياسي وخاصة الانظمة السياسية القائمة في بعض البلدان المجاورة والمنضوية تحت مظلة الايكواس …

والعسكر يعرفون الواقع بل وقد عايشوا الحروب هناك في الشمال والوسط ..والرئيس الشاب هاشمي غويتا يعرف ذلك بل إنه اعتقل من قبل الإرهابيين سابقا وتم إطلاق سراح في صفقة تبادل أسرى قادها الشيخ الإمام محمود ديكو حينها .

فهؤلاء زغالبية كبيرة من االشعب يرون أن فرنسا لم تعد حلا لمعضلة مالي ، فدعا هاشمي منذ مجيئه إلى سدة الحكم لمراجعة الاتفاقية الفرنسية المالية والعسكرية وهي ما ترفضه فرنسا جملة وتفصيلا ..

وهو سبب اعتراضها على الصفقة الروسية المالية المثيرة للجدل ولم تنف الحكومة المالية ذلك بل أكد الوزير الأول يوم أمس أن فرنسا بلغ بها الحال أن تذهب بنفسها لكي تعقد صفقات باسم الشعب المالي ودون استشارتهافي القرار والخطوات .. حتى التصويت على زيادة لجنود الأمميين تمت دون موافقة مالي ، ووجدنا ولأول مرة تصوّت مالي في مجلس الأمن ضد قرار تمديد وجود القوات الاممية لكنهم قرروا ذلك وهذا الذي جعل وزير الدفاع المالي ساجو يتحرك نحو روسيا ومكث أسبوعا بها كي يحصل على شيء ما .

أضف إلى ذلك ما سمعناه من تواصل بين الرئيس أردوغان والرئيس المالي هاشمي غويتا وكل ذلك محل نظر بالنسبة لباريس ولا تروقها ذلك وحلفاءها .

المهم هذه مشكلة فرنسا والتي زرعتها بنفسها وظهرت مرتبكة منذ الإعلان عن هذه الصفقة المرتقبة بين مالي وروسيا ..

والغريب أنها تستكثر مجيئ 1000 جندي روسي بينما يوجد 5 آلاف جندي فرنسي وما يقرب من 20 الف جندي أممي .. وأطلقت الساسة المتشوفون للسلطة من أجل انتقاد العساكر والاعتراض على الصفقة ملزمين السلطات الحالية باحترام موعد الانتخابات بينما ثلثا البلد لا تسيطر عليها الدولة فكيف سيتم الانتخابات في جوّ كهذا وهذا ما يرفضه غالبية الشعب حاليا ولذا هم يرون تمديد الفترة الانتقالية واتخذت الحكومات بعض الاجراءات علر حوار وطني سيقرر الماليون خلاله فيما إذا كانوا سينظمون الانتخابات أم إذا كانوا سيقدمون فرصة للعسكر لتأمين كافة انحاء البلاد وهو الأقرب إلى التنفيذ على ما يبدو .

والحكومة المالية مصرة على هذه الصفقة مع روسيا وخاصة أن المنظومة العسكرية المالية هي التي تتناغم مع المنظومة الروسية وحتى الطائرات الحربية التي ما زالت متوقفة في باماكو هي سوفتية الصنع وبقليل من إعادة التأهيل ستستعيد مالي بعض تلك الطائرات كما أكد ذلك رئيس الأركان السابق الجنرال موسى كامارا .

في انتظار تلك الصفقة وحتى مع غيرها ستعمل فرنسا كل ما بوسعها لكي تفشل بل وربما تفكر لشد الخيوط الخلفية في تشجيع انقلاب على قادة العسكر الحاليين ..

لا سمح الله .

باريس فرنسا .

الرأي اليوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى