ثقافة ومجتمع

حزب البعث القطر الموريتاني: غضب اركيز، مأساة عقدويي التعليم، واقع وزارة المالية، هذا مايهم المواطن

حمل العدد الأخير من مجلة الدرب العربي التي تصدر عن حزب البعث العربي الإشتراكي ـ القطر الموريتاني، العديد من المواضيع التي تهتم بالشأن الموريتاني، من أحداث اركيز إلى  التشاور السياسي إلى مأساة عقدوي التعليم ، وما يهم الفقراء.. إلخ.

ونظرا لتشعب المواضيع وكونها تمثل رأيا في المشهدين السياسي والمجتمعي ارتأينا تقديمها للقراء:

اركيز .. غضب شعبي لغياب الخدمات العمومية.

تعرف مدينة اركير منذ فترة حالة غير مسبوقة من تردي الخدمات العمومية ، خاصة في مجال الكهرباء و الماء و سوء خدمات شبكات الاتصال . و تعددت المواقف للمطالبة بإصلاح الاختلالات، لكن ظلت الإصلاحات ترقيعية إن وجدت و في كثير من الأحيان تستمر المعاناة ..
فساكنة اركيز تعيش وضعا لا يطاق .. فالكهرباء مقطوعة بشكل دائم ماعدى ساعات من الليل ، و الأدهى و الأمر أن الكهرباء ترتبط ارتبطا عضويا بشبكات الاتصال ، فبانقطاع الكهرباء تفقد مباشرة شبكات الاتصال ، و بالتالي يفقد هذا المواطن الفقير ماله و جهده سُدى لينتهي في جيوب شركات دولية خارجية .. فهذه الشركات يبخلون على زبنائهم بشراء مولد كهربائى بسيط يمكن مشتركيها من مزاولة مهامهم باستمرار .. هذا مع الانقطاعات المستمرة في شبكة الماء و التي هي كالكهرباء قد تأتي خلسة في جوف الليل … فنحن، لكي نتمكن من سقي أنفسنا و مواشينا، لا بد أن نسهر تحريا لتلك القطرات الآتية في الهجيع الأخير من الليل ..! كيف لأهل الركيز ان لا يتكلموا ..! ان لا يتحركوا ..! بعد أن خذلهم من انتخبوهم و خانوا تعهداتهم بالوقوف معهم في محنهم ، و الدفاع عن حقوقهم أمام البرلمان .. و استدعاء المؤسسات الوصية علي شبكات الإتصال و مقاضاتها بسب نهب و التلاعب بمداخل الموطنين عن طريق رداءة الخدمات إن و جدت أصلا و غيابها في غالب الأحيان ..
إن هذه الساكنة في وضع غاية في الصعوبة ، فهي في جو خريفي حار جدا ، و مع ذلك تتوافد عليها هجرات جديدة بسب المنتجعات السياحية التي توجد فيها ، مما سيعقد الأمر أكثر ، اذا لم تتخذ السلطات التدابير اللازمة لذلك
و رغم ما آلت إليه الأمور للأسف من تدمير لمؤسسات عمومية و خصوصية فإن الجميع مطالب بتحكيم العقل ، و الانطلاق من السبب الذي أدى بهؤلاء المواطنين الآمنين الى الخروج الي الشارع.. و حتى لو تمكن بعض المخربين من الاندساس في صفوف المواطنين المحتجين على أوضاعهم البائسة، مثل مهاجمة مركز الحالة المدنية، فإن الدولة تبقى هي صاحبة المسؤولية الأولى في منع البيئة السيئة للمواطنين التي يستغلها المخربون عبر التدخل السريع لتلبية المطالب و المظالم المشروعة التي يعاني منها ساكنة اركيز، أو أية ساكنة وطنية أخرى ، في أي مكان من الوطن…

تشاور ” السياسيين ” .. و هموم الجياع !!

ليس من شك في أهمية الحوار، في ذاته، كقيمة انسانية راقية … و لا شك أنه مطلوب دائما و بخاصة في الظرفيات التي تتميز بالتعقيد الذي يؤدي لاختلاف الآراء و بالتالي تباين المواقف. إن تقريب الآراء بعضها من بعض و ترشيد المواقف الناتجة عنها لا سبيل لهما إلا بفضيلة الحوار أو التشاور فيها… غير أنه مما لا ريب فيه أيضا أن الموريتانيين سئموا من سلسلة الحوارات ، شبه العبثية، التي تتابعت بين الفرقاء السياسيين و أشباه صناع الرأي العام خلال العقود المنصرمة . إنهم سئموا من حوارات لم تجلب لهم يوما نفعا و لم تصد عنهم ضرا ؛ فأحسن حال و أطيب ثمرة لهذه الحوارات كانت تقاسم منافع الدولة و مراكز النفوذ و التنفذ و توزيع المصالح بين مجموعات حزبية و لوبيات ضغط قبلية و فئوية و إثنية هي أقرب للكارتيلات التجارية الاحتكارية منها للقوى الحزبية و الاجتماعية التي تضع نصب عيونها ، في أي تزاحم للرأي، معاناة المواطنين من البؤساء و الفقراء، و ممن لا ألسنة لهم و لا عنوان…
و يجري الحديث عن قرب تنظيم تشاور ، بلغة (النظام) ، و حوار بلسان ( المعارضة) ، فما الجديد الذي سيأتي به ، و ما هي هوامش هموم المواطنين فيه ؟
ما يعرفه المواطنون حق المعرفة هو أن نتائج الحوارات السابقة ذهبت كلها بين جيوب و قصور قلة من المتحكمين المحتكرين للسلطة و المال و الجاه … إن عدم اكتراث عموم المواطنين بالحوار أو التشاور هو نتيجة لعدم عقد أي أمل في المؤثرين اليوم في الساحة السياسية، يستوي في هذه السلبية رجال السلطة و رجال ( المعارضة )؛ بناء على ما سبق من مفاعيل و تفاعل هؤلاء في الحوارات الفارطة ؛ حيث كانت معاناة عامة الشعب و تطلعاته هي أكبر الغائبين عن جدولة مواضيع المتشاورين/ المتحاورين ؛ و حيث الصدمات هي ما يطالع الشعب في أول تنفيذ لما اتفق عليه أكابر الكارتيلات السياسية، بالمعنى المميع ، و العسكرية … فقلما أصاب الموريتانيين العاديين خير من هذه الألعاب السمجة المملة. فلا المؤسسات طرأ عليها تحسن في خدماتها و لا هي اقتربت قيد أنملة من المتعهدين إليها ، و لا التسامح تحقق ، و لا الانسجام حصل …
إن الموريتانيين لم يشهدوا أي انعطاف جدي نحو المستقبل ، و لا قرائن على قطيعة مع الممارسات المشينة و المؤذية ، التي نالت منهم و أوقعتهم في هذا الدرك من البؤس في ما مضى… و إنما في نهاية كل ( حوار / نقاش ) يظهر أن الدكتاتور الممسك بالسلطة تناازل عن بعض فتات السلطة لمتحاورين لا يسعون لأكثر من نصيبهم من الفتات. إن الجهات ، المسموح لها بقسط من التأثير في مثل هذه ” الاحتفائيات ” لم يخمدوا يوما نار غلاء الأسعار ، و لم يهدئوا حقدا مجتمعيا مضطرما ، إنما في كل مرة و عقب كل ” احتفائية ” يكون الشعب الموريتاني على موعد من مزيد شظف العيش و نكد الحياة … و ذر مسحوق الملح على القروح بين مكوناته، بينما تنتعش الرشوة و تخصب بيئة المحسوبية و الزبونية و القبلية و تزدهر برصات خطابا التحريض الفئوي و العنصري … هكذا على الدوام يحصد الشعب الموريتاني حصاد تشاورات و تحاورات نخبه السياسوية. فهل رأيتم تشاورا نتج عنه تمسك بمعايير الكفاءة في التعيينات ، أو رأيتم حكومة تحسنت مصداقية أفرادها أو زادت فعاليتها باتجاه تصحيح العلاقة بين الحكومة و تطلعات الشعب ، و هل رأيتم حوارا حول واقع الشعب و سبل رفع معاناته في مجال سقف رفع الأجور، مراقبة الأسعار، إلغاء الرسوم على المواد الضرورية، على سبل مكافحة البطالة ، على ” تمهين ” الشباب الموريتاني، أو حوارا على خلق و توسيع و تطوير الطبقة الوسطى، و هي رافعة المجتمع، أو حوارا حول وضعيات صغار الكسبة و ضعفاء الموظفين ، أو حوارا حول الاقتتصاد الريفي و انتشاله من الضياع … و إنما حوارا في ملفات فضفاضة و غائمة…
و هكذا، فإن الموريتانيين ، عقب كل تشاور و حوار لطبقتهم السياسية، يغوصون أكثر في وحل خيبات الأمل ، مع مزيد التنكر لتطلعاتهم المشروعة.
فهل تختلف أمور التشاور و مخرجاته هذه المرة عما سبق في ظل نظام ولد الغزواني ?
دعونا ننتظر.

مأساة عقدويي التعليم .. تساؤلات مشروعة

رحم الله زمانا كان فيه المعلم كالأب هو الآمر الناهي في الحي الذي يدرس فيه.وكنا نناديه بستاني الأخلاق لأنه يغرس في نفوس أبنائنا أبجديات الأخلاق والمعرفة، فيرعاها ويسقيها ويشذبها حتى تزهر فتتفتق عن عبقريات لم تكن لترى النور لولا ذلك المعلم.
وقد قال فيه الشاعر:
قم للمعلم وفيه التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولا
فهل من القيام إجلالا للمعلم أن تكون وظيفته مؤقتة ، وخارج مقتضيات قانون الوظيفية العمومية رقم 03 / 93؟.وهل من تبجيله تركه عرضة لتقلبات مزاج مسؤولي وزارة التعليم وتبعا لتغيرات هيكلية في الوزارة؟
فواقع الحال أن المعلم الحائز على هذه الصفة يخجل في مثل هذه الظروف من الكشف عن مهنته ،لأن الفقر يخاتله والكرامة تفر منه فرارا ، فلا الراتب يسمن من جوع ولا ظروف العمل تغني من هدر للمعنويات!في حين يتطاول نواب البرلمان الأعناق في العلاوات.
وإذاكان حال المعلم المرسًم مؤسف ، فمابالكم بعقدويي التعليم، فلاهُم من المعلمين ولاهُم من العاطلين عن العمل إنهم للفئةالأخيرة أقرب! فهم معطلون عن الفعالية في التعليم والحياة. لقد ظلموا ظلما بينا .. بعد أن استوفوا كل شروط الولوج للوظيفة العمومية عبر مسابقة نظمتها وزارتا الوظيفة العمومية ووزارة التعليم في أكتوبر سنة 2019 وعبروا الإمتحان التحريري كأولى العقبات وتجاوزوا المقابلة الشفهية للجنة الإشراف( التقييم الشخصي) ومحاضر مداولات اللجنة الوطنية للمسابقات تشهد لهم، فإذا بهم ممنوعون من تلقي تكوين مهني في مدرسة تكوين المعلمين حتى يومنا هذا!ليجدوا أنفسهم أمام عقود عمل مؤقتة باهتة المحتوى.
أما اليوم ونحن على أبواب عام دراسي جديد وقد أفنى هؤلاء سنتين من أعمارهم في هذا التربص والمصير المجهول ولم يعد بإمكان بعضهم ولوج الوظيفة العمومية لتجاوز السن القصوى لذلك، أليس من الضروري أن يتلقوا تكوينا سريعا في مدارس تكوين المعلمين كل حسب منطقة عمله لرفع الكفاءة التربوية لديهم ؟! ألم يتلقوا وعودا بحل مشكلهم؟أليس إنصافهم أولى من إنصاف ضباط متقاعدين منذ سنوات ،أولئك قد تمتعوا بالخدمة وتقاعدوا أما هولاء فممنوعون من حقهم في الخدمة؟! أولئك أفراد برؤوس الأصابع يعدون، وأؤلاء أربعة آلاف أو يزيدون، ويسمونهم استخفافا بمقدمي خدمات التعليم،. وإنماهم موظفون بحكم القانون سلبوا حقوقهم. ذلك تنكيس لا يبرره العمر!
هؤلاء العقدويون تظاهروا طلبا لحقوقهم واعتصموا وزمجروا لكنهم لم يحرقوا طاولة ولاكرسيا في مدرسة ولم يحرقوا عجلات مطاطية أمام الوزارة لأنهم سلميون إذا لم يدفعوا إلى العنف دفعا.أليس ترسيمهم أكثر مردودية على المنظومة التربوية وأصدق تعبيرا عن الجاهزية للعام الدراسي المقبل؟! بمن سندخل العام الجديد إن لم يحصل هؤلاء على صفة معلمين دائمين،أليس المعلم ركنا أساسيا في ثلاثي : (المناهج- الموارد البشرية -البنى التحية.)الذي لايستقيم التعليم دونه!؟ ألم يحترق العقدويون لينيروا لنا سماء الحياة بنجوم الأجيال المتعلمة، ألم يتحملوا صنوف التنكيل بهم أمام وزارة التعليم ولنبلهم لم يتخلواعن مواصلة مهنتهم؟ فلماذا التلويح من حين لآخر باكتتاب جديد ولدينا من العقدويين مايكفي لسد العجز الحاصل في الكادر البشري ؟؟

ما يهم الفقراء

النوعية الوزن السعر
الأرز نوعي كغ 330
الأرز الأجنبي كغ 600
الزيت ل 750
حليب (روز) 300
حليب سليا كغ 2000
حليب قلوريا 130
البصل 200
البطاطا 200
الجزر 350
مكرونة 500
ألبان محلية 300
الطماطم 400
لحم غنم 3000
لحم عجل 2000
لحم إبل 2000
سمك متوسط 1200
سمك ردئ 180
دجاج أجنحة 1200

واقع وزارة المالية من داخلها !!

إن تحسين استقبال المواطنين المرتفقين بالإدارات العمومية، أو ما سمي، ذات مرة، وهما، بتقريب الإدارة من المواطنين يعد أحد أركان “برنامج تعهداتي” الذي قطعه رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني على نفسه في حملته الانتخابية، الهادفة إلى استعادة الثقةالمفقودة بين الإدارة والمراجعين لها.
لقد كان التشخيص دقيقا ، في خطاب الترشح، فمثلا الإدارة العمومية ممثلة في وزارة المالية وهياكلها، في غور البعد ، او بعيدة كل البعد عن المواطنين وتتنافى سلوكيات موظفيها مع قيم الحكامة الرشيدة؛ بل تتجافى عن منظومة القيم والأخلاق الإنسانية!
وبالبنان يشار، بالكاد، إلى من يرق قلبه لحال مواطن مظلوم، غصب حقه ، بفحش، في دهاليز الظلام المعتمة في تلك الدوائر!وغالبا ما يكون في منكب الأرشفة القصي و تحت يد شخص غير صاحب قرار، في أي مستوى ! في وزارة المالية، كما الحال في بقية دوائر الدولة الموريتانية، فإن الموظفين يعملون غير مثقلين بالأخلاق العامة، و متخففين كليا من روح و معنى المسؤولية العمومية !
في وزارة المالية، يسود ما يسمى عالم” الأصدقاء ” service de camaraderie ، هكذا يسمونه وأي ماهية لتلك الصداقة؟!
إذا لم يكن لك صديق في قطاع المالية فلا تكلف نفسك عناء الذهاب إلى هناك فلا شأن لك و لا احترام في هذا القطاع بالغ الارتباط بمصالح المواطنين و حتى مصالح بقية قطاعات الدولة الأخرى، سواء بسواء … هنالك فئة أخرى لها نصيب من الحظ – في هذه الوزارة التي يبعث كل شيء فيها على التقزز و التمرد – إنها فئة المتسولين الذين يدخلون المكاتب الموصدة أمام أصحاب الملفات، ممن ليست لهم أبهة أو لا يبدو من نوعية ثيابهم أنهم من عالم الأعمال المشهورين … فانتبه عزيزي الزائر لوزارة المالية ، فقد تدوسك أقدام حارس باب الوزير دون أن يرف له جفن، أو تدوسك كاتبة المدير من غير اكتراث ؛ و بكل تأكيد فلن تعود قبل أن تنال ما يحطمك في داخلك من الإهمال والسخرية والتلاعب و الممطالة والتسويف في أحسن الأحوال؛ و لسوف تلعن السبب الذي أدى بك إلى دخول وزارة المالية في بلدك !
إن كل شارد و وارد في هذا القطاع يجعلك تدرك سبب غياب سوق للاوراق المالية في موريتانيا ؛ فشيوع المضاربات في أروقة وزارة المالية نفسها و تفشي الإهمال و الميوعة لا تترك مجالا للتفكير في مثل هذه الخدمات المالية؛ كما لن تتفاجآ بتزوير أرقام معدلات التنمية. فكل شيء مباح.. و كل شيء ممكن، إلا خدمة الوطن و المواطن . ولتفادي الإنهيار الكامل لهذا القطاع، فإن وزير المالية يتوجب عليه أن يبذل جهدا جهيدا لتنظيف قطاعه من مجموعة ضباع بشرية هي واجهة هذا القطاع من حوله ، و هي التي تفرض عمولات على كل أصحاب الحقوق ، مهما كانت ضآلة هذه الحقوق، و هي التي تظلم الناس و تؤذي الناس …

ما ذا يجرى فى الغرب؟

إن إعادة التشكل هذه التى تجرى أمام أعيننا فى هذه المنطقة يثير أكثر من تساؤل. إن الصراع الخافت لكن المحتدم و المستمر بين الغرب بما فيه حلف الناتو و المظلة الأميركية من جهة، و بين روسيا على وقع الغاز الروسي و التنافس العسكري مع الولايات المتحدة و الصراع فى أكرانيا و شبه جزيرة القرم من جهة ثانية أحد مظاهر هذا التشكل الذى كان أيضا من أبرز محطاته خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البركسيت) قبل عامين، و آخرها الشرخ الواضح الذى وقع مؤخرا بين الحلفاء الغربيين بسبب إلغاء أستراليا صفقة لشراء غواصات فرنسية تقليدية و استبدالها بغواصات نووية أميركية و بريطانية. إلغاء اعتبرته فرنسا طعنة فى الظهر. الشيء الذي نفته أستراليا بطبيعة الحال مبررة خطوتها بضرورة حماية أمنها .. مع كثير من الكلام العاطفي و التودد. و طفقت بعدها بريطانيا تنسج على نفس المنوال من قبيل ” الحب الذى تكنه بريطانيا لفرنسا لا حد له”. هل هي عودة المشاعر البشرية للقطب الغربي التى نسيها لزمن طويل، و غلق قوس العولمة و الحسابات الباردة الذى جاء بعد الحرب العالمية الثانية ذات الصبغة القومية؟ أما نحن فى العالم الثالث و فى الوطن العربي على وجه الخصوص فلم نقتنع فى أي يوم بغياب الروح القومية عن هذه الحضارة. صحيح أن ظاهر الأمور يوحى بأن المصالح المادية وحدها هي التى تبنى عليها المواقف و السياسات .. لكن المحرك الخفي هو الوازع القومي و ربما الديني. على كل حال، نحن نشاهد فى هذه اللحظات تشكل أربعة أقطاب متنافسة على أسس قومية واضحة. فهناك القطب الأنغلوسكسوني الذى يضم بريطانيا و الولايات المتحدة و مجال نفوذه هو القارة الأميركية و المحيط الهادى و حتى أوروبا الغربية من خلال حلف الناتو، و هناك القطب الروسي الشرق أوروبي ذى القدرة العسكرية الكبيرة و الرادعة، و هناك الاتحاد الأوروبي و بقية دول أوروبا الغربية التى يسمونها القارة العجوز و ما تملك من تراكمات و هي أم الغرب كله و منطلقه فى السيطرة على العالم، و هناك أخيرا القطب الصيني صاحب القوة الصاعدة و النفوذ الساحق فى القارة الآسيوية الذى يرتعد منه الجميع و الذى كان عَنونَ عنه الكاتب الفرنسي آلينه بيرفيت لكتابه ب”عندما تستيقظ الصين فإن العالم سيرتعد”. عنوان يلخص كل شيء. يجب أن لا ننسى كذلك لاعبا عملاقا هو الآخر صامتا هو الهند ذات المساحة القارية و الساكنة التى تزيد على المليار انسان و الطموحات الكبيرة الاقتصادية و العسكرية و التى من ضمنها غزو الفضاء بما فيه النزول على سطح القمر.
هذه باختصار شديد هي الصورة البانورامية و القوى التى تتحكم اليوم فى العالم و ستتحكم أكثر فى المستقبل القريب بمصير البشرية ..
أين نحن العرب من هذا كله؟ أين الأمة العربية من حلبة الصراع الكونية هذه؟ السؤال الوجودي الذى يطرح نفسه هل نحن أمة افتراضية فقط تتفرج على الأحداث و تتأثر بها سلبا؟ أم أننا أمة قدمت للحضارة البشرية ما لم تقدمه أمة أخرى و تريد اليوم استرجاع هذا الدور؟ بل و تطمح أن تشكل ضمن الأمة الإسلامية قطبا قادرا على منافسة الأقطاب الأخرى؟ إيمانا بهذه الأمة و بمخزونها الفكري زائدا مقدراتها المادية التى لا تحصى و كثافتها السكانية و شساعة مجالها الجغرافي و موقعها الستراتيجي .. هذا كله يجعلنا نؤكد على إمكانية هذا الدور و حتمية حدوثه. فقط هناك شروط لا بد أن تتوفر لخوض هذه المعركة. أول هذه الشروط هو الثقة فى الذات و فى قدرات الأمة و الإبتعاد عن التباكى الدائم و جلد الذات، و ثانيه الاعتقاد الجازم أنه لا يمكن تحقيق شيء فى ظل التجزئة و القطرية الضيقة. لا بدمن وحدة الجهود و الاقتناع الذهني بضرورة و حامية الوحدة العربية على أساس من المبدئية و الواقعية فى آن. المبدئية هي أن أمة العرب أمة واحدة، و الواقعية هي أن هناك بنيات توحيدية، على الاقل تنسيقية يمكن البناء عليها كخطوة على طريق الوحدة المنشودة. اتحاد المغرب العربي الذى يضم خمس كيانات قطرية و اتحاد دول الخليج العربية بما فيها العراق و الأحواز بعد تحريرهما. و ما يمنع من تشكيل مجموعات أخرى تضم على سبيل المثال مصر و السودان و الأردن، و لاحقا بعد فك أسرهم من الاستعمار الفارسي و الاحتلال الصهيوني لسوريا و لبنان و فلسطين. ما ذا يمنع من تشكيل اتحاد من اليمن و السعودية و الصومال و جيبوتى؟… أو أية صيغ أخرى لبناء هذا القطب العربي.
يتمثل الشرط الثانى الأساسي لبناء هذا القطب فى الالتزام بالفعل الحقيقي لأن الأهداف لا تتحقق من تلقاء نفسها، لا سيما المشاريع الكبيرة مثل فرض موقع مشرف للامة تحت الشمس فى هذا الصراع الذى لا يرحم الضعفاء … فعليكم يا عرب أن تستيقظوا و تنبذوا الاتكالية و الخنوع و الاستسلام للواقع. هذه مسؤولية فلان أو علان، ليس لنا قدرة على تغيير هذه الأوضاع، الواقعية، كذا … إلى آخر التعليلات ” المريحة ” للأذهان الكسلى و المتخاذلة و المشينة. هذه المعركة متعينة على الشعب العربي ككل ، افرادا و جماعات، من المحيط إلى الخليج. فعلى المثقفين و الكتاب تحويل الساحة الثقافية إلى منصة للدراسة و التحليل و النقاش و الحوار حول المشروع النهضوي، و على الأحزاب السياسية إدراجه فى برامجها، و على الإعلام إثارته باستمرار، و على الجمعيات و النوادى و الأنشطة الشبابية و النسائية أن تجعله فى صميم نشاطاتها الخ .. و تكون هذه التحركات جميعا مُنسق ما بينها على المستوى القومي و ليس فقط على المستوى القطري. فلا يكفى أن تقرأ نصا وحدويا جميلا أو تستمع إلى صوتية حماسية تدعو للنهوض و ضرورة إستعادة الأمة العربية مكانتها، بل يجب عليك المشاركة العملية، كل من موقعه فى هذه المعركة المصيرية. فلم يعد وقت للتنظير و لا للعواطف الجياشة بل للعمل الجاد طويل النفس…

لغة رسمية واحدة.. و لغات وطنية !

يبدو أن النخب الوطنية الموريتانية ، على اختلاف مشاربها و أجيالها ، و انتماءاتها القومية، بما في ذلك “نخبة ” السلطة ، أدركت متأخرة جدا أن أعظم سبب في تدهور ” منظومتنا ” التربوية و التعليمية ، كان إقصاء اللغة العربية من الحياة العامة الناتج عن إقصائها من المواد العلمية و من سوق العمل و من الإدارة و أكثر مؤسسات الدولة و مرافقها الحيوية … و بالمقابل فرض اللغة الفرنسية الأجنبية على مكونات شعبنا كافة، على مجتمعنا. و ثمة قرائن ، لم تتأكد بعد، على أن الدولة تتلمس بخجل طريق تصحيح الوضعية الكارثية التي يتخبط فيها قطاع التعليم. غير أن العقدة النفسية – التي استحكمت في صدور بعض دوائر ” النخبة ” الحاكمة ، التي توارثت، جيلا بعد جيل، نفوذها من فرنسا ذاتها، – من اللغة العربية و من كل ما له صلة بالعرب، ستدفع، مسنودة من رتل فرنسا الخفي، بذلك التلمس الضعيف إلى الفشل قبل أن ير النور، أو إفراغ تصحيح المسار و التصالح مع المنطق و التاريخ من مضمونه الحضاري ومحتواه الثقافي. سيكون ذلك بالالتفاف عليه من خلال الدعوة إلى فوضى لغوية، على أسس إثنية ، تؤدي إلى فوضى إدارية تهدد بتفكيك الدولة ؛ الأمر الذي لن “ينقذ” منه، في نظرهم و بإلحاح، إلا الرجوع للغة الفرنسية ” الموحدة “. إنه ينبغي الحذر من هذا الفخ اللعين. إن تعريب الحياة الوطنية و تطوير لغاتنا الأخرى يتطلب نظرا استيراتيجيا بعيد المدى، من قبيل التدرج المدروس و توفير البنى التحتية اللازمة للتعريب و التطوير ، معا جنبا بجنب. إن غياب لغة وطنية رسمية موحدة ، مثل اللغة العربية للموريتانيين، من شأنه تمزيق أوصال الشعب على المدى المتوسط كما هو حاصل اليوم و تفكيك دولته على المدى البعيد . كما أن التخاذل في وضع مسلتزمات تطوير لغاتنا الشعبية الأخرى لا يقل خطرا وخيما عن التعريب المرتجل و المفتقر لمستلزماته الضرورية… أوليس هذا ما عانى منه الشعب الموريتاني و عانته منه اللغة العربية بأقسى ما يكون، في إصلاح 1979 المشؤوم ، الذي قاد إلى إيجاد شعبين متدابرين في إدارة واحدة و دولة واحدة، ثم انتهى إلى إصلاح 1999 الذي كان ” محاكمة ” عير نزيهة للعربية من طرف دوائر فرنسا الحاكمة في موريتانيا. إن المادة السادسة من الدستور التي نصت على أن اللغة العربية هي اللغة الوطنية الرسمية، لم تطبق يوما، و تركت ذريعة للتحجج بالوطنية، فيما بقيت اللغة الفرنسية الأجنبية هي اللغة الرسمية فعلا التي تصوغ مخرجات الإدارة و تتحكم في دواليب سوق العمل. إن الشعب الموريتاني يواجه، منذ دستور 1991، تنسيقا بين قوى بقايا ” اليسار ” المنقوع بالقبلية و قوى ” الإسلام السياسي ” المتصدع الآن و فلول حركة افلام المترنحة جراء تدهور الدور الفرنسي على المسرح الدولي ، مضاف إليه تبدل قبلة بؤرة الاهتمام الأمريكية من إفريقيا و قضم سيادة شعوبها بمخالب حركات عنصرية منها، إلى مواجهة التنين الصيني، هناك في دول الطوق بآسيا. إن هذا التحالف ، الذي لم يتوحد على أمر، قدر ما توحد على تهميش اللغة العربية و اعتبارها عامل تفريق للموريتانيين و تشويه العروبة و القوميين العرب ، لن يدخر جهدا ، في أي حوار / تشاور، عن التراجع عن المادة السادسة من دستور 1991 كونها دليل إثبات على تناقضاتهم بشأن مزاعمهم الوطنية و احترامهم للدستور ، كما لن يوفر حيلة عن تعويق أي إصلاح في مجال التعليم يبعد اللغة الفرنسية عن ” ريادتها ” أو يجعلها موضع اتهام في ما يعيشه قطاع التعليم و الإدارة العمومية من تخبط و بعد عن حاجة الموريتانيين..
إننا نلفت انتباه صانع القرار ليحذر من الوقوع في ما يتهيأ له هذا الثالوث من تلغيم للتشاور القادم ، ما لم ينتبه الوطنيون في دوائر النظام و في مختلف شرائح و مكونات الشعب قبل فوات الأوان…

لن تحل أزمة الغذاء في موريتانيا ما لم تهتم الدولة بالزراعة المطرية

اعتاد الموريتانيون منذ جفاف 1968 الذي كان أول جفاف ضرب البلاد بعد الاستقلال، على حملة زراعية تنظمها الدولة كلما حل موسم الأمطار، ولم تكن هذه الحملة ناجعة بقدر نجاعتها في بلدان أخرى استفادت من زراعة أراضيها المطرية، غير أنها كانت تعبر عن اهتمام الدولة بنشاط يرتكز عليه عيش طيف كبير من المجتمع في الأوساط الريفية ويزود الأسواق الوطنية بالحبوب التقليدية على الأقل.(الدخن ـ أنواع الذرة ـ الفاصوليا ـ الفل السوداني…).
ففي جفاف 1968 اكتشفت الدولة عجزها عن سد حاجيات المواطنين من الغذاء إذا تعرضت البلاد لتغير مناخي يؤثر على نشاط المزارعين التقليدين مما اضطرها إلى طلب العون من الخارج فحصلت على معونة تمثلت وقتها في نوع من الذرة الحمراء ارتبط في أذهان المواطنين توزيعه لدرجة اعتبروه حدثا مفصليا أرخوا به للكثير من أحداث العام (عام لحميرة).
وهكذا شرعت الدولة في تنظيم حركة أطلقت عليها الحملة الزراعية وهي في واقع الأمر ليست سوى تنظيم رحلة موسمية للمزارعين . ومر جفاف 1973 دون استحداث خطة تتناسب مع المتغيرات المتعلقة بتزايد أعداد المهاجرين من الريف، نتيجة لأحداث الحرب الأهلية بين الإخوة في موريتانيا مع إخوتهم في الساقية الحمراء ووادي الذهب. وكمحاولة لمواجهة مخاطر جفاف 1983 ـ 1985 وسعت الدولة نطاق طلب المعونة من الخارج وتركزت هذه المرة على تدخل الولايات المتحدة الأمريكية بكميات من الزيوت ومسحوق القمح (الفرين) الذي ترك توزيعه هو الآخر أثره في قرائح المواطنين سجلوا بموجبه كل الأحداث التي وقت في منتصف أعوام هذا الجفاف أي عام 1984( عام الفرين)، ثم طورت من عملية تشجيع المزارعين من خلال تنظيم رحلات نقل للشبان المنحدرين من الأوساط الزراعية، الذين كانوا يمارسون بعض الأعمال في العاصمة انواكشوط خلال فترة الاستراحة الفاصلة بين موسمي الحصاد والتساقطات، وتزودهم ببعض الفؤوس التقليدية والتكفل بنفقة الرحلة من نقل وزاد مما كان له بالغ الأثر على المحاصيل خلال أعوام الانتعاش المطري (1986 ـ 1987).
غير أن الدولة خلال هذه المراحل لم تصل درجة تزويد المزارعين بالآلات الزراعية المتطورة التي تمكنهم من استصلاح هكتارات كبيرة ولم تعتمد لهم سياسة تسويق تساعدهم على ترويج منتجاتهم ، وهذا النوع من عدم الاهتمام بالزراعية المطرية تطور بكثير منذ سمحت الدولة للتجارـ الفاقدين للوطنية ـ بالتحكم في سوق الغذاء فأبعدوا كل السياسات التي قد تهدف إلى تحسين النشاط الزراعي بما يحقق الاكتفاء الذاتي من المواد الغذائية، حتى قضوا على حملة نقل المزارعين الموسمية ليبقى الخيار الوحيد أمام المواطنين هو اقتناء ما يوفره التجار من مواد مستوردة هم أحرار في تحديد أسعاره وجودتها وأحرار حتى في تحديد الفترة التي تنتهي فيها صلاحية المادة لأنهم فاقدون للروح الوطنية والإنسانية والدولة تاركة بينهم مع الشعب برفعها اليد عن الزراعة الأقدر على توفير حاجياتهم م الغذاء.
فها نحن على وشك توديع موسم مطر مشجع بعض الشيء وقبله موسم كان أكثر من مشجع ولا سياسة اعتمدت لاستغلال أمطار الموسم الماضي ولا أخرى تلوح في الأفق لاستغلال أمطار الموسم الحالي، وفي ظل هذا التقاعس عن دعم الزراعة المطرية واستغلال المياه السطحية بشكل عام وترك التجار يحددون السعر والجودة ويمنعون نجاح أي حملة زراعية فعلى الدولة أن لا تتوقع حل مشكل الغذاء وارتفاع الأسعار، بل عليها أن تعلن للشعب هزيمتها أما أطاع تربح التجار الوحشي.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى