صحافة المواطنهاشتاق

كلام في التشاور!/ خالد الفاظل

تابعت قبل البارحة مقتطفات من تغطية التلفزة الوطنية للأيام التشاورية للتعليم. لكن كلمات من قبيل؛ الأجواء الإيجابية، الارتياح، الهدوء، وأشياء أخرى. جعلتني أفهم أن شيطان الصراحة كان غائبا في تفاصيل التشاور اللهم إذا كان الإعلام الرسمي يحبذُ هذا النوع من المداخلات المفروشة بالطباشير الملونة..

بغية إصلاح التعليم بشكل جدي وفعَّال. يجب أن تفرق الوزارة بين ما يمكن عمله على المدى القريب ولا يحتاج مطلقا للتشاور وتبذير ميزانية التعليم في علب الحليب والتعويضات المضغوطة وتضييع حصص التلاميذ جراء انشغال مدرسيهم في تضخيم التشاور، وما يمكنه عمله على المدى البعيد ويحتاج فعلا للتشاور المكثف والعميق والبطيء والصريح والمدروس..

على المدى القريب يمكن:

– تحسين الدعم المادي والمعنوي للمدرس، زيادة راتبه ليصل 250 الف أوقية قديمة كحد أدنى، إضافة لمده ببعض الوقار الإداري؛ بطاقة مهنية + الدعم الميكانيكي والمكتبي للإدارات التعليم يساعدها على العمل الميداني والرقابي ويكسبها بعض الأبهة العمرانية أمام الإدارات الحكومية الأخرى حتى يشعر المواطن العادي أن التعليم العمومي مهم عند الدولة…

– ضبط المصادر البشرية، محاربة التفريغ الذي يستنزف أمولا كثيرة دون أن يقدم أصحابه خدمة بعينها. والذي يحدث غالبا تحت غطاء طواقم الوزارة، من مفتشين ومديرين ورؤوساء المصالح…الخ. إضافة لضبط التوزع العشوائي للطواقم داخل الخريطة المدرسية. فتجد مثلا مدرسا يدرس 6 ساعات في الأسبوع لفائض المدرسين في مؤسسته وآخر يدرس فوق نصيبه القانوني نتيجة لنقص المدرسيين في مؤسسته، وذلك لغياب التوازن في إدارة المصادر البشرية وعدم رقمنتها بنظام شفاف وصارم لتصبح الجداول معلومة ويصبح التحايل عليها صعبا. كما أن تسلسل الدليل المالي لوحده كافي بغية ضبط الأقدمية وشرعية الترقيات والوجود المبكر في العاصمة والتي تعد أكبر خزان للفرص يستقطب أحلام المدرس الباحث عن تأمين العيش الكريم.

– ضبط الترقيات وخضوعها لبرنامج واضح وصارم ومكشوف للجميع يتأثر بالتنقيط والأقدمية والعمل الميداني فقط. ليصعد المصلحون ويهبط المفسدون في أروقة القطاع، وحتى لا يتسرب الخمول لنفسية المدرس الجاد ويتحول إلى كتلة مهملة في حركة الإصلاح..

– توفير الكتب المدرسية لجميع التلاميذ وفي الوقت المناسب أيضا وليس الأمر صعبا إذا طبعت الشفافية التوزيع وصفقات الطبع مع الناشرين..

– تكثيف التفتيش والرقابة. وكل كتيبة من المفتشين تسكن بالولاية المكلفة بتفتيشها. لا أن ينطلقوا من نواكشوط، لينفذ بنزينهم في الطريق قبل أن يصلوا لوجهتهم أو يتكاسلوا بسبب مشقة السفر والهدف من رحلتهم هو تقويم “نصف ساعة تدريس” غالبا. كما أنه يجب تفتيش المفتشين وتفتيش من يفتشون المفتشين أيضا. لأنه بسبب تخمر الزبونية والمحسوبية في القطاع يجب أن لا تترك الرقابة والتفتيش في مصلحة واحدة أو شخص واحد..

– شطب إحدى السنوات الدراسية من المرحلة الإعدادية والثانوية لأن هناك سنة مكررة(حشو) تستنزف الوقت والجهد فقط وتسرق سنة من عمر التلاميذ.

– إضافة تخصص التكوين المهني والزراعي والخدمي والرياضي بعد المرحلة الإعدادية يذهب إليه أصحاب الاهتمامات الضعيفة بمواصلة التعلم. لا ينبغي سجن أغلب التلاميذ لمدة 13 سنة ليكونوا في نهاية المطاف ضمن 90% التي ترسب كل عام في الباكلوريا..

– الاهتمام بالرقمنة وتشجيع المتميزين الذين يثبتون جدارتهم في التقنيات الحديثة. ولا بأس لو أقيمت لهم كل عام مسابقة لقرصنة موقع وزارة التعليم مع ابتكار بعض الإبداعات الرقمية والبرمجية بغية انتقاء الطلبة المتميزين في المجال حتى يكملوا أكاديميا في نفس التخصص بعد الحصول على الباكلوريا..

– بعض المتفوقين والمجتهدين في التحصيل يوجهون بعد المرحلة الإعدادية إلى جانب الشعب العلمية لشعبة الآداب. فعندما نكون أجيالا من الفلاسفة والقانونيين والمفكرين وعلماء الاجتماع المتميزين؛ فسنخلق بيئة صحية للممارسة السلطة والحكامة الرشيدة.

– خصم نسبة 2.5% من ربح كل مدرسة خاصة ودعم التعليم العمومي به. لأن معظم المدارس الخاصة تستغل جهد موظفي التعليم العمومي الذي كونتهم الدولة على حسابها ولا أعتقد أنهم يدفعون الضرائب..

– إخضاع التعليم الخاص للراقبة والتفتيش الشفاف أيضا. فبعضه أكثر تسيبا وضعفا في الأداء من التعليم العمومي وبعض الأهالي -غير المتعلمين- يتعرضون فيه للتملاح الحقيقي.

– تفعيل مصلحة إحصائية تضبط وتدرس النمو السكاني لعدد التلاميذ في البلاد وتشيد المدارس إنطلاقا من نتائجها وتوقعاتها، حتى لا يكون بناء المدارس عشوائيا وعبثيا. كأن تجد مدرسة مكتملة في قرية بها أقل من عشرة منازل وقرية أخرى بها مدرسة غير مكتملة رغم احتوائها أكثر من مائة منزل مثلا. وثانوية غير مكتملة الفصول تغذيها الكثير من المدارس الابتدائية وثانوية مكتملة لا تغذيها إلا مدرسة ابتدائية واحدة..

– الاكتتاب الجهوي للمدرسين، كل جهة يكتتب لها عدد من المدرسين حسب حاجتها، وعند تكوينهم يذهبون إليها بعد التخرج مما سيسهم في الاستقراري التربوي والتنافسية في مدن الدواخل. وكل جهة إذا تراخت في محاسبة أداء مدرسييها فتلك مسؤولية يتقاسم وزرها آباء التلاميذ مع الوزارة..

– جميعنا نعلم أن مسابقات اكتتاب المدرسين انتابتها أحيانا الوساطة والاختلاس وربما هناك بعض المدرسين لا يتمتعون بالكفاءة للتدريس. هؤلاء يعيلون أسرا ولا يتحملون مسؤولية تقصير الدولة في رقابة الامتحانات. اقترح إحالتهم للوظائف اللوجستية في قطاع التعليم. كالرقابة وإدارة الدروس وبيع الكتب المدرسية…الخ

على المدى البعيد:

– نترك المناهج ولغة التدريس للتشاور المعمق والبطيئ مدته خمس سنوات (تبدأ الآن). تشاور لا مجال فيه أبدا للمجاملات وأنصاف الحلول، مع وجود خبراء حقيقيين حتى نتوصل إلى إصلاح مستقر ومتفق عليه وواقعي يساهم في تنمية وتطور البلاد. أقول هذا؛ لأن نتائج هذه الإصلاحات لا تشاهد إلا بعد عقود عدة، ولا مجال فيها للأخطاء، لأن آثارها السلبية ستبقى تتعفن لعقود طويلة في مخرجات التعليم كما حصل معنا في إصلاح 1999 وقبله النظام المزدوج الذي فرق بين المعرب والمفرنس في المرحلة التعليمية وجمعهما في العمل!

شخصيا أعتقد أن الثنائية اللغوية في الإدارة والتعليم في نظام لا يحتوي فيدرالية لغوية مثل كندا وبلجيك وسويسرا مثلا. عبث تنموي وإرهاق للاقتصاد. معظم الدول ومهما تعددت لغات سكانها لديها لغة تخاطب مشتركة في الإعلام والشارع والمدرسة يفهمها الجميع..

وأخيرا، أعتذرُ مسبقاً عن التدخل في مشاورات الوزارة وطواقمها فلا سبورة لي ولا جمل في التشاور. وأعتذر أيضا عن بعض المزاح الذي تخلل النص، فأي حصة لا بد لها من بعض المزاح والجدية. هذا ما تعلمته من خلال تجربة ست سنوات وشهر وسبعة أيام وأربع ساعات من العمل الرسمي بقطاع التعليم..

الصورة المرفقة من ثانوية العرگوب بلعيون التي شيدت 1998 م ودرسنا فيها ويبدو أنها ما زالت كما هي..

Khaled Elvadhel (⁨خالد الفاظل⁩)

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى