Site icon الحرية نت

الصراع المغربي – الجزائري ساحة إفريقية لحرب باردة اكبر

أبوبكر الأنصاري

الصراع المغربي الجزائري ليس وليد الصدفة وليس فرقعة إعلامية و إنما هو نتيجة تراكمات تعود لسنوات ما قبل الاستقلال و تتقاسم اطراف في البلدين بنسب متفاوتة مسؤلية ما جرى إضافة للتدخلات المشرقية في تحديد شكل العلاقات البينية المغاربية فقد عمل الفاسيون في المغرب بقيادة علال الفاسي في الخمسينات بشكل اناني وحاولوا احتكار الحكم إما بنظام جمهوري يهيمنون عليه او من خلال ملكية مقيدة لصلاحيات الملك وكانوا منذ الثلاثينات يحرضون المغاربة الامازيغ على الجهاد في سبيل الله ضد المستعمرين الفرنسي والاسباني تحت راية الملك الشريف و يحثون ابناء مدينتهم فاس على الدراسة وتحصيل العلم ودخول ارقى الجامعات و نتيجة لذلك استشهد مئات آلاف الامازيغ من اجل استقلال المغرب و في المقابل تخرج عشرات آلاف الفاسيين من الجامعات و حكموا المغرب من خلال حزبهم وتعرض ابناء الشهداء الامازيغ للغبن والاقصاء والتهميش وقام الفاسيين بالتنسيق مع جبهة التحرير الجزائرية بسياسة ممنهجة ضد الامازيغ بداية بشيطنة الظهير البربري في الثلاثينيات وحددوا هوية المنطقة على انها شبه ولاية مشرقية و جزء من منظومة قومية محورها القاهرة وشجعوا اللهجة العامية المصرية والفن المشرقي على حساب المغاربي الاندلسي الاصيل متجاهلين الشعب الامازيغي المتجذر منذ آلاف السنين وحضاراته المميزة وكل حديث عن الحقوق الامازيغية يتم قمعه وشيطنة القائمين عليه وربطهم بمؤامرة صهيونية لتفكيك المغرب العربي .

وقد تدخل جمال عبدالناصر منذ الخمسينات واستثمر في الثورة الجزائرية لمنع قيام دولة مغاربية كبرى قد تحكم الوطن العربي بدل من مصر وجعل قادتها و الفاسيين اتباعه ومنفذين لمشروعه مغاربيا واصبح دورهم الوظيفي تنفيذ اجندة الرئيس المصري جمال عبدالناصر في تقليص دور الموسسات الملكية خاصة في المملكتين العلوية المغربية والسنوسية الليبية وتهميش المنطقة المغاربية في صناعة القرار العربي واتفق حزبا الاستقلال المغربي وجبهة التحرير الجزائرية برعاية جمال عبدالناصر عام 1958 على تنظيم اجتماع مع قادة افريقيا السوداء في تونس خرج بتوصية لتقسيم بلاد الطوارق بين اربع دول “مالي النيجر الجزائر وليبيا” لمنع قيام كيان امازيغي يفصل العالم العربي عن افريقيا السوداء وتم تخويفهم منه ومقارنته بجنوب افريقيا التي تمارس التمييز ضد السود كما عرقل حزبا الاستقلال المغربي وجبهة التحرير الجزائرية وجمال عبد الناصر جهود الرئيس الموريتاني المؤسس المختار ولد داده الرامية لضم إقليمي ازواد والصحراء الغربية لدولة البيضان وتركوا بلد المليون شاعر فريسة للزحف والاستيطان السنغالي المالي والهجمة الفرنكوفونية وانخفاض الشعور بالانتماء المغاربي وهو ما تسبب في هزات لاحقة .

في عام 1963 وقعت حرب الرمال بعد مطالبة المغرب بإقليمي تندوف وبشار الذين اعتبرهما حزب الاستقلال الفاسي مغرب غير نافع وواصل ابناءهما الثورة إلى جانب الشعب الجزائري وكانوا حلقة الوصل لجلب الدعم المغربي وقد حاول ملك المغرب محمد الخامس التفاوض مع فرنسا لاستعادتهما لكنه فضل دعم الثورة الجزائرية والتحدث بعد ذلك مع الدولة المستقلة التي رفضت بعد ذلك التخلي عن أي شبر خرج منه الاستعمار وانحازت مصر للجزائر.
طلب جمال عبد الناصر من موديبو كيتا رئيس مالي التوسط بين المغرب والجزائر باسم منظمة الوحدة الإفريقية التي تتمسك بالحدود المتوارثة عن الاستعمار فاشترط الوسيط تسليم قادة ثورة الطوارق موسسوا المعسكر الاستقلالي الأزوادي حيث قام حزب الاستقلال المغربي والجنرال اوفقير بتسليم الامير محمد علي الانصاري امير طوارق ولاية تمبكتو المقيم في الرباط آنذاك و قامت الجزائر عبر جبهة التحرير بقيادة احمد بن بيلا بتسليم الامير زبد اغ الطاهر واللادو البشير المقيمين في تمنرست الذين كانوا يجمعون المال والسلاح لنصرة ثورة الجزائر .

وفي عام 1975 انسحبت اسبانيا من الاقاليم الصحراوية التي كان حزب الاستقلال المغربي الفاسي يعتبرها من المغرب غير النافع وقاد الملك الحسن الثاني المسيرة الخضراء لضم الصحراء الغربية بعد وفاة حاكم اسبانيا القوي الجنرال فرانكو وتشكلت جبهة البوليساريو بقيادة المصطفى الوالي للمطالبة باستقلال اقليمي الساقية الحمراء ووادي الذهب وحصلت البوليساريو على دعم العقيد معمر القذافي المعادي للنظام الملكي المغربي ثم احتضان الجزائر التي لديها تصفية حسابات مع الرباط على خلفية حرب الرمال.
أصبحت الساحة المغاربية ساحة تصفية حسابات للانظمة المشرقية وحاولت الجزائر وليبيا ان ترثا جمال عبد الناصر في قيادة المنظومة القومية فاصطدمتا بحزب البعث بقيادة ميشيل عفلق وصدام حسين وهو ما جعلهما حليفين للمشروع الفارسي بعد اتفاقية الجزائر عام 1975 التي منحت الفرس موطى قدم في شط العرب ملتقي نهري دجلة والفرات ودعمتا إيران في حربها ضد العراق خلال الثمانينات مما ادى الى تراجع شعبيتهما في الوطن العربي ثم واصلت الجزائر والقذافي شرذمة القضية الفلسطينية بدعم سوريا ضد حركة فتح ومنظمة التحرير بقيادة ياسر عرفات بينما وقف المغرب ودول الخليج مع العراق ضد إيران و انخرطت الرباط في عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين والاردن مستفيدة من وجود جالية يهودية مغربية في واشنطن وتل ابيب موالية للملك الحسن الثاني والتي اصبحت لوبي مغربي في اميركا وفرنسا داعم للموقف الرسمي في الملف الصحراوي .

من يتابع تطورات الوضع المغربي الجزائري منذ عدة اشهر يلاحظ مزيدا من التجييش للعواطف خاصة وان النظام الجزائري يعاني من وضع داخلي لا يحسد عليه منذ الحراك الشعبي عام 2018 الذي أطاح بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة وقبل ذلك بالجنرال توفيق خوفا من ربيع جزائري بدات ارهاصاته في ورگله وزاد من احتمالاته مساعي شركة سونتراك منذ 2007 استخراج الغاز الصخري بطريقة التكسير التي قد تتلف مخزون المياه الجوفية في الجنوب الجزائري والاحتاجات الشعبية الجنوبية الرافضة لموضوع الغاز الصخري و كان يجري تغطيتها بافتعال ازمات داخلية مثل صراع المظابة والشعانبة في غرداية وقمع قادة المظابة مثل الشهيد كمال الدين فخار واتهامه بالعمالة للمغرب كما ادى انخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات الرئاسية والنيابية وعزوف الشباب عن التصويت إلى تحرك النظام لافتعال بطولات وعنتريات خارجية مثل توتير العلاقة مع فرنسا .

في هذه الظروف الخانقة داخليا يريد النظام الجزائري خوض مواجهات خارجية على جبهتين غربية مع المغرب ” العدو الكلاسيكي ” منذ حرب الرمال كما وصفها رئيس الاركان واخرى جنوبية في شمال مالي إذا طلبت حكومتها ذلك على غرار التدخل السوري التخريبي في لبنان 1975-2005 وكانت اولى اعمال جيش حافظ الاسد في لبنان آنذاك اغتيال الزعيم الدرزي كمال جنبلاط واستغلت دمشق تدخلها لضرب حركة فتح بقيادة ياسر عرفات ودعم الفصائل المعارضة له و أن ما قتله الجيش السوري في لبنان وما سببه دعمه اطراف ضد اخرى اكبر بكثير مما قتله الجيش الإسرائيلي خلال جميع حروبه .
تحاول الجزائر استنساخ تجربة التدخل التخريبي السوري في لبنان على الساحة الجنوبية في مالي بحجة الحفاظ على وحدتها الترابية الخط الاحمر كما قال الرئيس عبد المجيد تبون وبيع وهم الانتصار للعروبة والممانعة في مواجهة المغرب المطبع مع إسرائيل وتمويل مرتزقة روس من شركة فاغنر لقتل الازواديين تارة بحجة مكافحة الإرهاب واخرى بحجة الحفاظ على وحدة مالي الترابية وفرضت الجزائر معسكرها الاندماجي بقيادة اياد اغ غالي وامادو كوفا والحركات المنخرطة في مسار التنازل عن حق تقرير المصير برعايتها من اجل وضع قواعد لعبة يتحكم فيها اياد اغ غالي بالدولة المالية بدعم من جنرالات الجزائر و تصبح جماعة نصرة الإسلام بمثابة حزب الله المالي الذي يعربد بسلاحه المقاوم ويمكنه إن يختار البمباري الذي يتولى الرئاسة في مالي والسنغاي الذي يراس الحكومة والفلاني الذي يراس البرلمان وكلما ظهر معارض له او منتقد للتدخل التخريبي الجزائري ستتم شيطنته وتخوينه وربطه بالصهيونية .

وقد تقوم الجزائر باستخدام حلفاءها في مالي بقيادة اياد اغ غالي والحركات الاندماجية المنضوية تحت مسار الجزائر للتنازل عن حق تقرير المصير في حروبها ضد معارضيها الداخليين في تيزي وزو مثلما تستخدم سوريا حزب الله اللبناني ضد معارضيها لدق اسفين بين المكونات الامازيغية حتى يتراجع التعاطف مع استقلال ازواد في العمق الجزائري وقد جرى التمهيد لذلك بصناعة تيارات معارضة للامازيغية بعضها إسلامي سلفي يعتبر الامازيغية الحاد ووثنية معادية للإسلام وبعضها قومي يربط الطوارق بالقومية العربية والاصل اليمني الحميري ويتهم الامازيغ بالمتاجرة بقضية الطوارق للحصول على التمويل الاوروبي وقد روج النظام الجزائري لمشكلة غرداية بين المظابة الامازيغ والشعانبة العرب على انها صراع بين المالكين والخوارج حتى يجر الطوارق للاصطفاف مع مع الشعانبة ضد إخوانهم المظابة الامازيغ .

ما يجري بين الجزائر والمغرب واجهة لحرب باردة كبيرة بين معسكرين شرقي يضم روسيا وإيران داعم للجزائر وطموحاتها في الهيمنة الإقليمية ويعتبر ادواتها مثل نصرة الإسلام بقيادة اياد اغ غالي مقاومة ممانعة مثل حماس في غزة وحزب الله اللبناني في مواجهة معسكر اخر غربي يضم اميركا وبريطانيا وغيرهم يدعم المغرب ويحظى بتأييد حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط مثل بعض دول الخليج و إسرائيل المؤيدة للمغرب في الملف الصحراوي و المنخرطة في الساحة الإفريقية كعضو مراقب بالاتحاد الافريقي وبعد اعتراف اميركا بمغربية الصحراء قامت الجزائر بمقايضة الملف الأزوادي وبيع اوراقها في منطقة الساحل للروس والايرانيين بعد سقوط حلفاءها في اوروبا وخاصة الاحزاب المؤيدة لها مثل الحزببن الاشتراكيين الفرنسي و الاسباني .
في الساحة الازوادية هناك معسكرين احدهما اندماجي بقيادة اياد اغ غالي ويضم منسقية الحركات الازوادية وبلات فورم والمنخرطين في مسار الجزائر للتنازل عن حق تقرير المصير وهو موالي للجزائر وفي المقابل هناك المعسكر الاستقلالي الذي أسسه قادة ثورة 1963 الرافض لجميع الاتفاقيات بين مالي والحركات الاندماجية ويقف الاستقلاليون الازواد على مسافة واحدة بين الجزائر والمغرب لأن كلا النظامين يويدان مالي ووحدتها الترابية بينما تتعاطف شرائح واسعة مثل الامازيغ والحسانيين في البلدين مع استقلال ازواد ويعتمد الاستقلاليون الأزواد على انفسهم ورصيدهم الداخلي وعلاقاتهم مع دوائر صنع القرار الغربي والجاليات الامازيغية والصديقة المتعاطفة المغتربة التي تصوت لمن يدافع عن قضيتهم او من يحوول دون حصول مالي على دعم غربي.
يتجه مسار الحرب الباردة الإقليمية إلى سعي الجزائر فرض وصايتها على مالي عبر التدخل العسكري بعد موافقة البرلمان على خوض الجيش معارك خارج حدودها ومحاولة شركة سونتراك فرض وصايتها على ذهب جنوب مالي ونفط وغاز شمالها إقليم ازواد عبر جماعات نصرة الإسلام ومنسقية الحركات الازوادية وبلات فورم والمنخرطين في مسار الجزائر للتنازل عن حق تقرير المصير بحيث تتفاوض سنتراك الجزائرية مع الشركات العالمية على ثروات مالي الباطنية وتحويل عوائده للاقتصاد الجزائري وتتصدق على مالي وحلفائها المحليين باقل من 01٪ ممن يخرج من باطن ارضهم وتمنح للروس ما بين 05-10% على شكل صفقات مع شركات السلاح و انعاش الصناعة الحربية الروسية وترجيح كفة موسكو في سباق التسلح مع الغرب وتمويل عمليات مرتزقة فاغنر في القارة الإفريقية و تصبح الهيمنة الجزائرية على الساحل الإفريقي إحدى اوراق إيران في التفاوض مع الغرب على ملفها النووي مثل اوراق غزة وسوريا والعراق واليمن وقد تورط الجزائر الروس في حرب باردة ضد الغرب ستنتهي بأحداث كبيرة مثل الثورة البلشفية او تفكيك الاتحاد السوفيتي لأن الغرب لم ولن يسمح للجزائر بالتحكم بالاحتياطي النفطي الغازي شمال مالي او ذهب جنوب مالي ولن يسمح الغرب لها بإنعاش اقتصاد روسيا و دعم صناعتها الحربية على حساب اقتصاديات اميركا والاتحاد الاوروبي ولن يسمح الغرب للجزائر بإعادة انتاج دور ملك ملوك افريقيا الذي حاول القذافي لعبه ومحاولاته السيطرة على ثروات افريقيا وإنتاج عملة الدينار الافريقي وجهوده لمنع الغرب من التدخل في شؤون افريقيا .

بقلم : أبوبكر الأنصاري
خبير في الشؤون المغاربية

Exit mobile version