sliderالمبتدأ

قراءة في مقابلة (أو على الأصح “مقابلات”) الرئيس المنشورة صباح اليوم:

يخرج أي قارئ بانطباع غريب وبشيء من الشفقة على الرجل الذي ظهر منقطع الصلة بالواقع الذي يعيشه الموريتانيون. عندما طرح عليه سؤال حول الشباب وهجرتهم المخيفة كان جوابه مهينا للشباب ومدافعا ضمنيا عن بنية الرشوة والفساد التي طردتهم من بلدهم. بدا دفاع الرئيس عن الفساد والمفسدين جليا ، بل أقر باعتماده عليهم وبحمايته لهم ضمنيا، تماما كما بدا قاصر الفهم إلى حد مخيف لمكانته القانونية والدستورية ومايترتب عليها حين طرح عليه سؤال بخصوص النائب محمد بوب. من جهة أخرى ظهر أن خطابه السياسي متكلس وغير متجدد برجوعه الى نفس الأسطوانة المشروخة حول “التهدئة السياسية” و”العمل الاجتماعي” التي أصبح الموريتانيون يدركون معناها ومحتواها. باختصار إنها مقابلة مخيفة على مايجري على قمة الدولة. مخيفة إلى حد كبير.

ملاحظتان تمهيديتان حول الشكل ، ثم استعراض لأهم ما أظهرته هذه المقابلة.
أولًا ، فشلت رئاسة الجمهورية بخيلها ورجلها في تنظيم هذه المقابلة. فهناك نسخة على كريدم تختلف عما نشرته السفير بناءً على ماتوصلت إليه من مكتب الرئاسة. فيما لاتزال الأخبار تنشر قطرة قطرة مايبدو وكأنه مقابلة مختلفة.
ثانيا، لماذا مقابلة مكتوبة وليست مبثوثة مباشرة في هذا الوقت الحرج داخليا وخارجيًا وبالنسبة لرئيس يستعد لطلب ثقة “الناخبين” لمأمورية ثانية؟ أليس من حقنا أن تحدثنا علنا، عن حصيلة خمس سنوات ، وعما يجعلك تترشح لمأمورية ثانية؟
حول مضمون المقابلة:
– الشباب مسؤولون عما يحصل لهم
في رده على سؤال لموقع كريدم الذي ذكر أن 8500 شاب وصلوا الى الولايات المتحدة عام 2023 (للتصحيح الرقم الحقيقي هو على الاقل ضعف هذا العدد)، ” ماذا تنوون القيام به لمواجهة هذا النزيف”؟ بدا رد الرئيس غريبا حيث قال إنه على وعي بذلك وأن الهجرة “ظاهرة كونية” وأنه “يدعو الشباب الى الاستفادة من من القدرات الاقتصادية الكبيرة والمتنوعة للبلد وأن يتخلوا عن بعض العقليات التي تتكبر عن بعض المهن”.
إذن الشباب الذي أخذ طريق الموت قام بذلك فقط بسبب التكبر عن المهن العديدة والفرص المتوفرة. ولماذا يفترض الرئيس أن هؤلاء الشباب مؤهلون فقط للمهن اليدوية التي يشير اليها. الموريتانيون شاهدوا بعض هؤلاء الشباب من نيويورك يقولون إنه كانت لهم مشاريع صغيرة ومهن يدوية تكفيهم مقابل البقاء قرب ذويهم ولكن تعسف الادارة والفساد والمحسوبية قادت الى فشل أو افشال مشاريعهم. وأهم من ذلك ، أغلبية المهاجرين الى أمريكا من حملة الشهادات العليا ومنهم الأطباء والمحامون والمهندسون وحتى ضباط الجيش والشرطة،كثيرون منهم هربوا من هذا الجحيم لأنه فى موريتانيا اليوم، لايتم الاكتتاب بمسابقات وانما بوساطات من جنرال أو قواد أو رقاص أومومس. كلنا يعرف إدارات ووزارات يتربع عليها أشخاص لايحملون شهادة البكالوريا ، أو يحملون شهادات مزورة ، وقد ذكر تقرير محكمة الحسابات الأخير أن المحكمة وقفت على إدارات لافائدة لها اطلاقا على القطاعات التي توجد بها،ثم لايمكن لرئيس الجمهورية التذرع بجهل ذلك،فقد اعترف أنه قام بإلحاق مفتشية الدولة للرئاسة وكلنا نذكر كيف تم اكتتاب جيش من المفتشين آنذاك،بدون مسابقة أو امتحان وبموافقة الرئيس تم اكتتاب جيش من أبناء النافذين عديمي الكفاءة، و من محدثي النعم الغارقين في وحل الفساد،السيد الرئيس ، الشباب لم يهاجر لأن الهجرة ظاهرة كونية ، ولم يهاجر بسبب التكبر،بل هاجر لأنه حولت موريتانيا الى جحيم حقيقي لا مكان فيه إلا للمتسلقين ومن يستندون على واسطة من رقاص وماشابه ذلك.

– حين سئل عن الفساد قال إنه في كل مرة يصله تقرير “نهائي” يتخذ الاجراءات المناسبة،السيد الرئيس مع كامل الاحترام ، هذا الكلام مجافي للواقع ،من بين الأشخاص الغارقين في السرقة حسب تقارير محكمة الحسابات من عينتهم سفراء وأمناء عامين ومدراء ووزراء. وعينتهم بعد أن وصلتك تلك التقارير،ثم إن القانون لا يطالبك بالبحث عن تسوية معهم وإنما يفرض عليك احالتهم الى القضاء لأن أفعالهم تكيف قانونا جنحا وجرائم،ولكنك تحميهم،ولتأكيد ذلك، عندما طرح عليه سؤال حول تدوير المفسدين اكتفى بالقول ان “التعيين يخضع لمعايير فنية “أولًا ، لماذا لا تقصي هذه المعايير من ثبت تورطهم في سرقة المال العام؟ ثانيا، لنتوقف عند عبارة “معايير فنية”: أية معايير فنية تقضي بتعيين خريج معهد الدراسات والبحوث الاسلامية (وأنا من خريجيه وأتشرف) مديرا لميناء نواكشوط؟ إدارة وتسيير الموانئ علم قائم بحد ذاته يدرس في الجامعات عبر العالم،أية معايير فنية تفضي الى تعيين جمركي وزيرا للتهذيب الوطني ، وفي ظل نظام يدعي منح الأولوية للتعليم ؟ أية معايير فنية تفضي الى تعيين سائق بوزارة الداخلية حاكمًا مساعدًا ؟ وبائع خردوات مستشارا للوالي؟ وأستاذة مفوضة للأمن الغذائي؟ ومعلمة مديرة إدارية ومالية ؟ وخريجة تعليم اعدادي قنصلا؟ وأخصائي طبقات أرضية وزيرا للخارجية؟ وموظف عقدوي تمت إقالته بسبب الفساد مديرا لوكالة الأنباء؟ الحقيقة أن نظامكم يتعامل مع الدولة على طريقة الغنيمة ، ويتم توزيعها بين المخبرين والفاشلين من مرتادي بعض الصالونات التي تماهت في ذهن رئيس الجمهورية مع “موريتانيا”.
– الرئيس لايفهم نظامنا القانوني والدستوري أصلا!
عندما طرح سؤال حول النائب محمد بوي اكتفى الرئيس بالقول إنه “رئيس للسلطة التنفيذية وحسب، ولايمكنه التعليق على ذلك”،وينبني ذلك على فهم قاصر الى أبعد الحدود للفصل بين السلطات ولمكانة الرئيس،كما يدل هذا الرد على أن الرئيس محاط بأشخاص مستوايتهم ضحلة،فخامة الرئيس ، بموجب الدستور ، يحق لك العفو عن أي شخص مدان. ولعلمكم فالفصل بين السلطات لاوجود له في دستورنا ، فرئيس حكومتكم هو ، دستوريا، رئيس الأغلبية البرلمانية التي نزعت حصانة محمد بوي، وانتم تعرف أنها أغلبية “منضبطة”، تأخذ الأوامر وتنفذها،ومن الغريب جدا أن تطلع هذه الفكرة من رئيس يعين نواب (السلطة التشريعية) كرؤساء مجالس إدارة لشركات عمومية (السلطة التنفيذية ) وهي سابقة في العالم كله، ولا يجد في ذلك حرجًا! ثم إن في هذه الحجة استغباء للشعب الموريتاني الذي يعرف كيف تعطى الأوامر للقضاة ورؤساء المحاكم والشرطة القضائية وطبعا للنواب. على الأقل، السادة سكان القصر الرئاسي من مستشارين ومكلفين بمهام، لا تجعلوا رئيسكم أضحوكة واعطوه اجوبة يستسيغها العقل السليم.

– افلاس وتكلس الخطاب السياسي
بعد خمس سنوات ، ليس لدى الرئيس سوى نفس الشعارات التي خاض بها حملته الرئاسية ، والتي استنزفت وافلست. شعاران بالذات أصبحا إدانة للنظام لا شهادة له، والرئيس ونظامه عاجزون عن تجديد خطابهم السياسي. الشعار الأول ، هو شعار التهدئة السياسية،كان رفعه أثناء رئاسيات 2019 مجديا أما الآن فهو ينبني على مغالطة كبرى،في عام 2019 كان ولد عبد العزيز بشخصيته الحدية يستعد للخروج من المشهد وهو ماكان سيفضي تلقائيا الى تهدئة سياسية،ثم إنه في 2019 كنا نشهد تلاشي المعارضة بسبب استنزاف عزيز لها مدة خمسة عشر سنة،وكانت كل القوى السياسية ترحب بأي مرشح جديد لأنه قدومه بديلا عن عزيز كان يعني التهدئة بشكل تلقائي،كانت التهدئة نتيجة ميكانيكية لاختفاء عزيز من المشهد وكان الشعار دون كلفة،المأساة هي أن الرئيس وبعض أنصاره صدقوا أنهم أنجزوا تهدئة سياسية بالفعل،والحقيقة هي أن الرئيس غزواني استغل تلك التهدئة التلقائية والمجانية أسوأ استغلال ولخص الفكرة في استقبالات بروتوكولية يجامل فيها بعض الشخصيات،لم يبن على الفكرة لبناء جبهة وطنية من أجل الاصلاح، وترسيخ دولة القانون والمؤسسات وجذب الطاقات البشرية الموريتانية ،بل إنه استغلها في حرب ضد سلفه ، وما لبث أن بدأ يكتشف قوانين الرموز ، الرمي بالمدونين وكل من يخالفه الرأي -ولو كان نائبا انتخبه الشعب- في غياهب السجون. ‏إن مايسود الآن هو أن النظام يشتري كل الأصوات القابلة للشراء من مدونين ونشطاء ويسمي ذلك تهدئة سياسية،إنه يجهل أن الغضب بدأ ينزل تحت الأرض ، وأن موريتانيا تقفز الآن نحو المجهول. فلا أحد يراهن على اللعبة السياسية الرسمية في البلد سبيلا لحل المشاكل أو تداول السلطة، والذين تعمقت لديهم القناعة بفساد الدولة يفكرون بكل تأكيد في حلول أخرى، حلول مجهولة يتحمل النظام القائم وحده كامل المسؤولية عنها.

في الأخير ، أستغرب أن الصحفيين لم يواجهوا الرئيس بأسماء ومعطيات محددة عندما ضحك على ذقونهم حول تدوير المفسدين،كما يبدو غريبا أن أيا منهم لم يسأله حول المتاجرة بالنفوذ في محيطه الضيق والذي بدأت رائحته تزكم الأنوف،لم يسأله أحد عن صفقة آداكس التي أخذها صهره وابن شقيقه في خرق صارخ لقانون الصفقات من جهة، ولوضعيته كبرلماني التي تحرم عليه الانخراط في أية أعمال لم يكن يمارسها قبل أن يكون برلمانيا.

في النهاية يتساءل المرء..ما الهدف من هذه المقابلة ؟ ما الجديد فيها؟ أغلب الظن أن أحدهم أسر اليه بأهمية التصريح في الصحافة المحلية وهو الذي أعلن لنا ترشحه القادم من صحيفة صهيونية فرنسية. إنها مأساة نظام نظام يفلس ويغرق على مرأى من الجميع.

من صفحة الداه يعقوب

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى