منذ أن أرسى البناة الأوائل دعائمها، ظلت شنقيط واحةً وديعةً تتناغم مع بطحائها الفسيحة، تتأمل نجومها المتلألئة في سماء الهدوء والشعرية. ولكن هذا الهدوء تبدد مؤخرًا ليُفسح المجال لصخبٍ جميلٍ حمله مهرجان مدائن التراث في نسخته الثالثة عشرة، حيث انصهرت ألوان الثقافة مع عبق التاريخ العريق لتروي حكاية مدينة ما زالت منارةً للعلم ومأوىً للتراث.
كانت النسخة الحالية من المهرجان حدثًا استثنائيًا بكل المقاييس، ليس فقط بسبب الإنجازات الملموسة التي شُيّدت على أرض الواقع، بل لما حملته من رمزية عميقة تعيد إحياء تراثٍ إنساني مهدد بالاندثار. إن الحضور اللافت لعلماء وباحثين ومثقفين وشخصيات دولية مرموقة أضفى على المهرجان بُعدًا جديدًا، مجددًا مكانة شنقيط كجسر حضاري يربط شمال العالم بجنوبه، ويصل بين الماضي والمستقبل بكل شموخ.
إدارة بارعة لرؤية طموحة
بوصفي شاهدًا على معظم نسخ هذا المهرجان منذ انطلاقه، لا يسعني إلا أن أهنئ معالي وزير الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان، الحسين ولد مدو، الذي أدار دفة المهرجان بثقافة واسعة وحنكة استثنائية. لقد نجح في نقل هذا الحدث من احتفال محلي محدود إلى تظاهرة عالمية جعلت صدى المهرجان يتردد من أقصي الأرض إلى أقصاها، مؤكدا أن الموروث الثقافي قادرٌ على الانفتاح على العالم دون فقدان أصالته.
نجاح رغم التحديات
لا يخلو أي حدث بهذا الحجم من تحديات صغيرة أو ثغرات، وهو أمر طبيعي حين تتجمع عشرات الآلاف من الزوار ومئات الضيوف الأجانب في مدينة واحدة. ومع ذلك، لم تحجب هذه الهفوات البسيطة ألق المهرجان ولا فوائده العديدة، التي امتدت إلى سكان المدينة، بدءًا من تحسين البنية التحتية وتوفير الخدمات، وصولًا إلى دعم الباعة والصناع التقليديين، وإحياء حركة التجارة المحلية.
ورغم انشغالي بالمكونة العلمية للمهرجان، التي كانت على قدر عالٍ من السلاسة والتنظيم، حيث قدمت بحوث رصينة فتحت آفاقًا جديدة لفهم تراثنا وحفظه، لم تغب عني الأصداء الإيجابية عن الجوانب التنموية. فقد كان الطريق الجديد الذي يربط المدينة بالعاصمة نقلة نوعية في حياة سكانها، إضافة إلى المشاريع التي تهدف إلى إعادة جزءٍ من سكانها الأصليين، مما يُعيد النبض إلى هذه المدينة التاريخية.
دعوة للتقييم والمستقبل
ما تحقق في النسخ الماضية يجعلنا نقف بإعجاب أمام الأهداف التي نجح المهرجان في تحقيقها، ومع ذلك، فإن الطموح لا سقوف له. لهذا، أدعو إلى حوارٍ شامل يضم الخبراء والعلماء وسكان المدن التاريخية، جنبًا إلى جنب مع المنظمات الدولية، لتقييم هذا الحدث بشكلٍ موضوعي ورسم خارطة طريق تُعيد لهذه المدن ألقها، وتضمن أن يظل مجدها شاهدًا حيًا للأجيال القادمة.
في شنقيط، ارتفع صوت التاريخ مجددًا ليُذكرنا أن ثقافتنا ليست مجرد إرثٍ نحتفي به، بل مسؤولية نتحملها ورسالة نوجهها للعالم، علّنا نُثبت أن الماضي يمكنه أن يصنع المستقبل.




