sliderمقالات ورأي

لاحرية ولا كرامة إلا بثمن!!!

التراد بن سيدي

أثبت التاريخ وجميع أحداث السيرة الإنسانية ومراحل التطور، أن ما أُخذ بالقوة لا يُسترد بغير القوة، وأن من لم يذد عن حوضه بسلاحه يُهدم، وأن الضعف والذل مفضيان إلى نزع الحرية وإحلال الاسترقاق والاستعباد والتسخير، وكل أنواع التعامل غير العادل وغير المنصف. وقد أثبتت التجارب أن الصبر والثبات والصمود هي أدوات النصر وشروطه، وبانعدامها لا طمع في نصر. وثبت أن من لم يعانِ ويتألم ويكدح ويشقى في سبيل طموحه وغاياته وحاجاته ومطالبه، فلا يجب أن يفكر في تحقيق شيء منها؛ فلا حظ لأحد في نجاح، ولا حظ له في إنجاز، ولا حظ له في حفظ الذات والكرامة والشرف وحمايته.

وإننا كأمة، عرفنا في صيرورتنا التاريخية مراحل من المجد وكبوات، وصعوداً بلغ عنان السماء وسقوطاً ودرجات من الانحطاط. وكان عامل القيادة مؤثراً جداً؛ فمع قيادات حققنا من المعالي عنان السماء، ومع أخرى خسرنا كل شيء حتى الأندلس وبغداد، ويُراد لنا اليوم خسارة فلسطين كلها!

لقد تسلط على هذه الأمة في تاريخها الحديث أعداء قادمون من وراء البحار، فقطعوا في “سايكس-بيكو” أقطارنا وأراضينا وجعلونا دويلات، وقُسّم بعضنا في مناسبات أخرى، فصرنا كيانات متصارعة يحكمها حكام تافهون، ولاؤهم لمن أعانهم على الحكم، يتبعون أوامر سادتهم من الممالك الأوروبية المختلفة. وقد اختاروا من أفضل أراضينا وأقدسها، قلب الشام “فلسطين”، فجعلوها مكاناً لتجميع أشتات من شعوب يسمونهم اليهود، كان الأوروبيون يضطهدونهم لمئات السنين، ويضعونهم في “غيتوهات”، ويتهمونهم بأشنع الاتهامات، ويعتبرونهم “نجساً”، بينما كنا نحن نكرمهم ونتعامل معهم بلطف وأخوة في مختلف أقطار العرب. قاموا بتجميعهم في أرض فلسطين وأمدوهم بالقوة والسلاح، وشجعوهم وتعاونوا معهم بحكم الانتداب البريطاني، وتابعوا تطورهم وكسبهم للقوة للاستيلاء على أرض شعب فلسطين الذي طردوه بوسائل مختلفة، بالقتل والإرهاب، ثم أعلنوا في مسرحية لم تخفَ على أحد قيام دولة في هذه الأرض المغتصبة سنة 1948. ووفروا لهم الأسلحة بكل أنواعها، ومنها الأسلحة الذرية التي ساعدتهم فرنسا على امتلاكها، وضمنوا لهم تفوقاً على الدول القطرية في محيطهم.

وأمام هذا الوضع، وخلال تطورات استمرت طيلة قرن، انبثقت من أرض العرب حركات تحررية تقدمية وقومية وإسلامية ترفض هذا الواقع، وظهر رجال وحكام بذلوا جهداً وقدموا تضحيات، لكنها ظلت تحتاج قوة وصلابة وإصراراً واستمراراً حتى تُؤتي ثمارها. وبرغم بعض المعارك البطولية والنشاطات الثورية، كانت كلها دون المستوى، وظلت تُحاصر وتُحارب من الدول التي زرعت ذلك الكيان (إسرائيل)، واعتمدوا في محاربتهم لقوى التحرر على دعم القوى البترولية في الخليج العربي التي دعمتها أمريكا والصهيونية، واستخدموا الدين وفتاوى وأحكاماً مزيفة عن سياقها، والإعلام الذي أنفقوا عليه المليارات وزيفوا به الوعي وضللوا البسطاء، ودبروا المؤامرات التي بلغت غزو الدول وإسقاط الحكومات والزعماء الذين لم يخضعوا للمخططات “الصهيو-أمريكية” والاستعمارية.

وفي سنة 1979، أسقطت الثورة الإسلامية الإيرانية شاه إيران، عميل أمريكا والصهيونية، وبدأت تتشكل ظاهرة جديدة لمقاومة الظلم الممارس ضد الفلسطينيين آتية من خارج المحيط العربي. لقد كان العرب هم المعنيين وحدهم بقضية الشعب الفلسطيني العربي، فتفاجأ حماة إسرائيل من أمريكيين وغربيين بموقف الثورة الإسلامية، فوجهوا حربهم نحوها. ومنذ يوم نجاح الحركة التي قادها الخميني وهي في عين العاصفة؛ تُحارب وتُحاصر ويُضيق عليها بمختلف الوسائل، وتدخلوا في الصراع المؤسف الذي وقع بين قوتين من القوى المعادية للاحتلال، فتدخل المجرمون لتقوية الصراع بين الجانبين ودعموا العراق الذي اعتبروه قادراً على إنهاء الثورة الإسلامية. وأظهر أهل الخليج المؤتمرون بأمر أمريكا أنهم يدعمون العراق، وانخدع العراقيون وبعض البعثيين بهذا الدعم وظنوه موقفاً قومياً يساندهم ضد “الأمة الفارسية” وأفكاراً تافهة من هذا النوع، تبين بعد نهاية الحرب زيفها عندما وجهت أمريكا الدول الخليجية لمحاربة العراق اقتصادياً عبر زيادة إنتاج النفط للإضرار بأسعاره، مما أضر بالعراق الخارج من الحرب والمحتاج لبناء ما دمرته وسد حاجات شعبه. وطلبت منهم أمريكا فوق ذلك مطالبة العراق بتسديد الديون التي أقرضوه إياها أثناء الحرب. ولم تكتفِ أمريكا بهذه المؤامرات، فسربوا للعراق معلومات كاذبة بأنهما لن يتدخلا في صراعات العرب البينية، وعند احتلال العراق للكويت بسبب الخلاف الذي كانت واشنطن خلفه، قدم أهل الخليج أراضيهم للقواعد الأمريكية التي ما تزال هناك حتى الآن. وقد أفتى علماء السعودية وغيرها بجواز إعطاء أراضيهم للقواعد الأمريكية، حتى في السعودية التي تضم الحرمين الشريفين، وأُنشئت القواعد التي استمرت بعد تحطيم العراق وأفغانستان! واجتمعوا كلهم على محاربة إيران وشيطنتها وإخراجها من الملة، بينما استمرت إيران وحدها واقفة داعمة للمقاومة الفلسطينية بقوة، ومحاربةً لطغيان أمريكا وإسرائيل، واستمر العملاء يخضعون للتوجيهات الأمريكية.

لقد أصبحت إيران -بعد القضاء على الأنظمة القومية كنظام عبد الناصر ونظامي العراق وليبيا، والنظم التحررية كنظامي اليمن والجزائر- هي وحدها التي تقف صابرة صامدة تعاني الحصار واجتماع الغريب والقريب على محاربتها. تعاديها أمريكا والغرب، ويعاديها العرب وبعض المسلمين. وعند قيام المقاومة الفلسطينية في 7 تشرين الأول بصولة “طوفان الأقصى” التي أذاقت المحتلين الأمرين وأذلتهم، كان كل ذلك بدعم وتسليح وتدريب من إيران. فبدأت الصهيونية في أمريكا وإسرائيل تعد العدة لاستئصال شأفة المقاومة ومؤيديها، وتوصلوا في بحثهم إلى أن إيران هي العائق الوحيد أمام هيمنة إسرائيل على المنطقة، ولتصفية كل أثر للقضية الفلسطينية.

لقد أرادت أمريكا وإسرائيل أن تفعلا بإيران ما فعلتا بالعراق ولبنان وسوريا، وأعدوا قوة لم تجتمع منذ الحرب العالمية الثانية، وأرادوا أولاً تخويفها فلم تخف، فجربوا عليها ما يكفي لمحاربة العالم كله، واستخدموا من الأسلحة الحديثة ما لم يشهد العالم له مثيلاً، لكن إيران واجهتهم بأسلحتها التي صنعتها بيد أبنائها وهي محاصرة، وأذاقتهم الأمرين تقتيلاً وتدميراً وإذلالاً، وهم يصبون عليها من القنابل والصواريخ التي لا تهاب طفلاً ولا شيخاً ولا مسجداً. يريدونها أن تستسلم، لكن القيادات الإيرانية -التي شهدت مقتل القادة ولم تهتز فيها شعرة ولم ترتبك لحظة ولم تضعف- أروهم من صنوف الرجولة ما جعل المعتدين يتجرعون العلقم، فحطموا القواعد الأمريكية وراداراتهم وآلاتهم الأكثر تطوراً. ويتحدث رئيس الأركان الأمريكي عنهم فيقول: “إن ترامب عرض قواتنا لقوات لا تهاب الموت وجهوا لنا ضربات مميتة”.

وبعد التهديد والوعيد وإظهار القوة الفائقة والوعود بانتهاء إيران، ماذا جرى؟ لقد قبلت أمريكا وقف إطلاق النار طبقاً لشروط إيران كاملة. فكيف أمكنهم فعل ذلك؟ لو لم يؤمنوا لما صبروا، ولو لم يتمتعوا بهذا القدر من القوة والبأس ولو لم يستبسلوا لما حققوا ما حققوا. فبخٍ بخٍ برجال إيران الذين علمونا وعلموا العالم كله كيف تتم المحافظة على الكرامة، وكيف يرتدع الأعداء وتنتزع الحقوق. فلله درهم من رجال، ولله درهم من شجعان، أخلصوا وصبروا كما أُمروا، فنُصروا كما وُعدوا.

7 أبريل 2026

التراد ولد سيدي

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى