sliderالمبتدأ

حين تتحول الكفاءة إلى حجة انتقائية: قراءة نقدية في مقال بيرام ولد الداه ولد أعبيد

كتب: سيدنا ولد السبتي

ليس أصعب على الخطاب السياسي من أن يرفع شعار الكفاءة، ثم يضيق بها حين لا توافق تصوره، أو أن يتحدث باسم المؤسسات، ثم يختزل أهلية المسؤول في خلفيته المهنية قبل أن يمنحه فرصة إثبات قدرته على الإنجاز. فالكفاءة ليست امتيازا يحتكره أصحاب مسار بعينه، ولا شهادة يمنحها الخصوم أو يحجبونها عن خصومهم، بل معيار موضوعي لا يستقيم إلا بالإنصاف والاتساق والاحتكام إلى الوقائع.

ومن هذا المنطلق، فإن المقال الذي كتبه النائب بيرام ولد الداه ولد أعبيد بشأن التشكيلة الحكومية الجديدة يستحق النقاش، لا لأن التعيينات الحكومية فوق النقد، بل لأن النقد الجاد ينبغي أن يميز بين السؤال المشروع والحكم المسبق، وبين قراءة الوقائع وإطلاق الاستنتاجات، وبين المطالبة بالكفاءة وافتراض غيابها دون دليل حاسم.

أولا: هل يشترط أن يكون وزير الدفاع جنرالا؟

ينطلق النائب بيرام من تعيين السيد عثمان با على رأس وزارة الدفاع، خلفا للجنرال حننه ولد سيدي، ليطرح سؤالا جوهريا حول أهلية المدني لتولي هذا القطاع في مواجهة مؤسسة عسكرية ذات تراتبية راسخة وخبرة ميدانية متراكمة.

والسؤال، في ظاهره، مشروع. لكن مشروعية السؤال لا تعني بالضرورة سلامة الافتراض الذي يقوم عليه.

فوزارة الدفاع ليست قيادة أركان، والوزير ليس قائدا ميدانيا يتولى إصدار الأوامر التكتيكية للوحدات العسكرية. إنما هو مسؤول سياسي وإداري يتولى الإشراف على السياسات الدفاعية، ومتابعة الميزانية، وتنسيق العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة التنفيذية، ومراقبة تنفيذ التوجهات الاستراتيجية في حدود الصلاحيات الممنوحة له.

أما القيادة العسكرية، فلها اختصاصاتها المهنية والعملياتية التي تتطلب خبرة ميدانية ومعرفة تقنية لا غنى عنها.

ومن هنا، فإن الخلط بين الخبرة العسكرية والأهلية السياسية لإدارة وزارة الدفاع يفضي إلى نتيجة غير لازمة، مفادها أن العسكري أقدر بالضرورة على إدارة الوزارة من المدني.

ولو كان الأمر كذلك، لوجب أن يكون وزير الاقتصاد خبيرا ماليا بالضرورة، ووزير الصحة طبيبا بالضرورة، ووزير التعليم معلما بالضرورة، ووزير العدل قاضيا بالضرورة. غير أن الدول الحديثة تميز بين التخصص المهني وإدارة السياسات العامة، وتبحث عن التكامل بين الكفاءة الإدارية والمعرفة القطاعية والاستعانة بأهل الخبرة.

ولا يعني ذلك أن الخلفية العسكرية بلا قيمة، بل يعني أن قيمتها ينبغي أن تقاس في سياق المهمة المطلوبة، لا أن تتحول إلى شرط مطلق لا يقبل النقاش.

ثانيا: فرنسا وأمريكا تقدمان الجواب العملي

لو كان تولي مدني وزارة الدفاع دليلا على ضعف الدولة أو انتقاصا من مكانة المؤسسة العسكرية، لكان علينا أن نفسر كيف أدارت دول كبرى جيوشها وملفاتها الاستراتيجية تحت إشراف وزراء من خلفيات مدنية.

في الولايات المتحدة، تولى ويليام كوهين وزارة الدفاع، وكان سياسيا ومحاميا وعضوا في مجلس الشيوخ، كما تولى أشتون كارتر المنصب، وهو أكاديمي متخصص في الفيزياء والسياسات الدفاعية، ولم يكن ضابطا عسكريا محترفا.

وفي فرنسا، تولت فلورانس بارلي وزارة القوات المسلحة، بعد مسار في الاقتصاد والإدارة العامة والقطاع الخاص، دون أن تكون عسكرية محترفة.

هذه أمثلة واقعية تكشف أن إدارة وزارة الدفاع لا تستلزم بالضرورة أن يكون الوزير جنرالا، وأن الدول التي تمتلك مؤسسات دفاعية راسخة لا تجعل الرتبة العسكرية معيارا وحيدا للاختيار.

لكن الاستشهاد بهذه النماذج لا يعني أن كل مدني يصلح للمنصب، أو أن كل تعيين مدني ناجح بالضرورة. بل يعني أن الحكم ينبغي أن يستند إلى الكفاءة الفعلية، وطبيعة الصلاحيات، وجودة الأداء، لا إلى الصفة المدنية أو العسكرية وحدها.

فإذا كانت الخلفية العسكرية ميزة معتبرة، فإنها ليست ضمانة مطلقة للنجاح، كما أن الخلفية المدنية ليست دليلا على العجز.

ثالثا: من حقنا أن نسأل عن الدليل

يذهب النائب إلى أن الوزير الجديد لا علاقة له بملفات الدفاع، ولا تعرف له خبرة أو كفاءة تخصصية راسخة في المجال العسكري.

وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي ألا يغيب عن أي نقاش مسؤول: ما الدليل الذي يستند إليه هذا الحكم؟

هل قدم النائب تقييما موثقا للمسار المهني للوزير الجديد؟ هل استعرض مؤهلاته وخبراته ومجالات اشتغاله؟ هل ناقش قدرته على الإدارة والتنسيق والتخطيط؟ أم أن غياب المسار العسكري، في حد ذاته، تحول إلى قرينة كافية للحكم بعدم الأهلية؟

إن الفرق كبير بين القول إن الوزير لا يمتلك خلفية عسكرية، والقول إنه لا يمتلك الكفاءة اللازمة لإدارة الوزارة.

الأول وصف لمسار مهني، والثاني حكم على الأهلية يحتاج إلى أدلة ومعايير واضحة.

ومن حق المعارضة أن تطالب بتبرير التعيينات، وأن تسأل عن معايير الاختيار، وأن تحذر من المحاباة والولاء على حساب الكفاءة. لكن من واجبها أيضا أن تقدم نقدا متماسكا لا يجعل من الانطباع بديلا عن البرهان.

فالمسؤول لا يصبح كفؤا لمجرد تعيينه، لكنه لا يصبح عاجزا لمجرد أنه مدني. وبين الأمرين توجد مساحة واسعة لا يحسمها إلا العمل والنتائج.

رابعا: إذا كانت المؤسسة العسكرية لا تخضع للسلطة المدنية، فأين تكمن المشكلة؟

من أكثر النقاط إثارة للتأمل في المقال قول صاحبه إن الوزير المدني سيواجه هرمية عسكرية لم تعتد الخضوع لسلطة مدنية.

إذا كان هذا التخوف قائما على معطيات واقعية، فإن القضية تصبح أعمق من مجرد المفاضلة بين وزير مدني وآخر عسكري. إنها تتعلق بطبيعة العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسة العسكرية، وبمدى رسوخ القواعد الدستورية والمؤسسية التي تنظم هذه العلاقة.

ففي الدولة الجمهورية، لا ينبغي أن تكون القوات المسلحة دولة داخل الدولة، ولا أن تتحول الرتب العسكرية إلى سلطة سياسية موازية. كما لا ينبغي أن تكون السلطة المدنية غطاء شكليا لقرارات تتخذ خارج الأطر القانونية.

لكن الحل لا يكمن بالضرورة في إعادة وزارة الدفاع إلى جنرال، وإنما في بناء منظومة واضحة للمسؤوليات والصلاحيات والمساءلة، تضمن للقيادة العسكرية استقلالية مهنية في أداء مهامها، وتضمن في الوقت نفسه خضوعها للسلطة الدستورية المختصة.

أما إذا كان تعيين المدنيين مرفوضا لأن المؤسسة العسكرية قد لا تتقبلهم، فإننا نكون أمام إشكال مؤسسي لا يعالجه التسليم المسبق بأن الوزارة يجب أن تظل في يد العسكريين.

إن قوة الدولة لا تقاس بهوية الوزير وحدها، بل بقدرة مؤسساتها على العمل وفق القانون، وبقدرة المسؤول المدني على ممارسة صلاحياته، وبمدى خضوع الجميع للمساءلة.

خامسا: أمن الساحل لا يحتمل المزايدات ولا الأحكام المسبقة

لا خلاف على أن موريتانيا تواجه تحديات أمنية معقدة في محيط إقليمي مضطرب، وأن ما يجري في منطقة الساحل، والتطورات على الحدود، وطبيعة العلاقات مع مالي، كلها ملفات تستوجب اليقظة والاستعداد والتخطيط المحكم.

لكن هذه التحديات لا تمنح أحدا حق احتكار الحديث باسم الأمن القومي، ولا تبرر افتراض أن الوزير العسكري أكثر كفاءة بالضرورة من الوزير المدني.

فالأمن القومي لا تصنعه البنادق وحدها، وإن كانت القوة العسكرية أحد أعمدته الأساسية. إنه حصيلة تفاعل بين الاستخبارات والدبلوماسية والاقتصاد والتنمية وحماية الحدود والتعاون الإقليمي وحسن إدارة الموارد.

ومن ثم، فإن المساءلة الجادة لوزير الدفاع ينبغي أن تنصب على خطته لتطوير الجاهزية العسكرية، ورؤيته لتحديث القدرات الدفاعية، وطريقة إدارته للموارد، ومدى فاعلية التنسيق بين المؤسسات المعنية، وقدرته على استيعاب المخاطر الإقليمية والتعامل معها.

هذه أسئلة قابلة للقياس والمحاسبة، بخلاف الاكتفاء بالقول إن الوزير لا يمتلك خلفية عسكرية، وكأن ذلك يحسم مسبقا كل ما يتعلق بأدائه المستقبلي.

إن أمن البلاد أكبر من أن يكون مادة للمزايدة السياسية، وأهم من أن تختزل مناقشته في صراع بين الألقاب والصفات.

سادسا: من تعيين وزير إلى مأمورية ثالثة… أين حلقات الاستدلال؟

ينتقل المقال من تعيين وزير مدني إلى القيود المفروضة على النشاط السياسي للضباط المتقاعدين، ثم إلى الأوضاع القضائية لبعض الشخصيات العسكرية، قبل أن يطرح احتمال أن تكون هذه الترتيبات تمهيدا لمأمورية ثالثة أو إعدادا لخلافة سياسية من داخل المنظومة الحاكمة.

ومن حق أي سياسي أن يناقش مستقبل النظام، وأن يثير الأسئلة المتعلقة بالتداول على السلطة واحترام الدستور، وأن يراقب كل إجراء قد تكون له انعكاسات على التوازنات السياسية.

لكن السؤال السياسي، مهما كانت أهميته، لا يتحول بمجرد طرحه إلى حقيقة ثابتة.

فما الدليل الذي يربط تعيين عثمان با تحديدا بالتحضير لمأمورية ثالثة؟ وما المعطيات التي تثبت أن التعيين جزء من خطة لإقصاء شخصيات عسكرية بعينها أو ترتيب خلافة سياسية محددة؟

إن مجرد تزامن أحداث متعددة لا يكفي وحده لإثبات وجود خطة موحدة تقف وراءها. وقد تكون هناك قراءات سياسية مختلفة لهذه التطورات، لكن الانتقال من احتمال إلى استنتاج يحتاج إلى أدلة مستقلة وواضحة.

وهنا ينبغي التمييز بين التحذير السياسي المشروع وبين تقديم الفرضيات وكأنها وقائع مكتملة.

فالمعارضة القوية ليست تلك التي تكثر من السيناريوهات، وإنما التي تستطيع أن تسند نقدها إلى الوثائق والوقائع، وأن تميز بين ما تعرفه وما تتوقعه، وبين ما تثبته الأدلة وما تطرحه الأسئلة.

سابعا: وزارة الشؤون الإسلامية ليست استثناء من قاعدة الكفاءة

ينتقد المقال أيضا إسناد وزارة الشؤون الإسلامية إلى شخصيات لا يرى أن خبرتها التخصصية في المجال الديني واضحة، معتبرا أن ذلك يثير تساؤلات حول مكانة العلماء والأئمة وأهل الاختصاص.

وهنا أيضا، فإن أصل السؤال مشروع؛ فالقطاع الديني له خصوصيته، ويحتاج إلى فهم عميق لمجالاته العلمية والاجتماعية، وإلى احترام مكانة العلماء والأئمة وإشراكهم في السياسات التي تمس اختصاصهم.

لكن ذلك لا يعني أن إدارة الوزارة ينبغي أن تكون محصورة في أصحاب التكوين الشرعي وحدهم، كما لا يعني أن التكوين الإداري وحده يكفي لإدارة جميع ملفاتها.

فالوزارة تجمع بين العمل الإداري والتنظيمي والسياسات العامة، وبين ملفات تحتاج إلى معرفة شرعية متخصصة. والمطلوب هو الجمع بين الكفاءة الإدارية والمعرفة بطبيعة القطاع، مع ضمان مشاركة العلماء وأهل الاختصاص في صياغة السياسات الدينية.

إن المشكلة ليست في كون الوزير إداريا أو عالما، بل في مدى قدرته على إدارة القطاع باحترام لخصوصيته، وبالاستعانة بأهل المعرفة، وبما يحقق المصلحة العامة.

فكما لا ينبغي احتكار وزارة الدفاع من قبل العسكريين، لا ينبغي أيضا إقصاء العلماء عن السياسات الدينية، ولا اختزال كفاءة إدارة الوزارة في شهادة واحدة أو مسار واحد.

ثامنا: الكفاءة ليست شعارا يرفع عند الحاجة

إن المبدأ الذي ينبغي أن يحكم التعيينات الحكومية واضح: الكفاءة والخبرة والنزاهة والقدرة على الإنجاز، لا الولاء وحده، ولا الانتماء المهني وحده، ولا التوازنات السياسية وحدها.

لكن هذا المبدأ يفقد قيمته إذا تحول إلى معيار انتقائي، يستخدمه السياسي لتجريد خصومه من الأهلية، بينما يعفي من يوافقونه من الاختبار نفسه.

فإذا كان معيار الكفاءة ضروريا في وزارة الدفاع، فهو ضروري أيضا في الاقتصاد والمالية والصحة والتعليم والعدل وسائر القطاعات. وإذا كان من حق المواطنين مطالبة الحكومة بتفسير اختياراتها، فإن من حقهم أيضا مطالبة المعارضين بتقديم حجج دقيقة ومتماسكة.

لا يكفي أن نقول إن الوزير لا يمتلك الخبرة، بل ينبغي تحديد الخبرة المطلوبة، وبيان ما يفتقر إليه المسؤول منها، وتقديم ما يسند هذا الحكم. ولا يكفي أن نشيد بالمسار العسكري لوزير سابق، بل ينبغي أيضا أن يكون تقييم تجربته قائما على ما حققه من نتائج، لا على رتبته وحدها.

فالمناصب العامة ليست امتيازات شخصية، لكنها كذلك ليست أحكاما مسبقة على أصحابها. إنها مسؤوليات ينبغي أن تقاس بما يتحقق في إطارها من أداء وإنجاز.

حاكموا الوزراء بأدائهم، لا بأزيائهم السابقة

إن مقال بيرام ولد الداه ولد أعبيد يثير قضايا تستحق النقاش، من معايير التعيين إلى العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية، ومن كفاءة إدارة القطاعات الحساسة إلى مستقبل الحياة السياسية في البلاد.

غير أن قيمة هذه القضايا لا تبرر القفز من الوقائع إلى الاستنتاجات دون أدلة كافية، ولا تجعل الخلفية العسكرية شرطا وحيدا للأهلية، ولا تعفي أي مسؤول من الاختبار العملي.

إن الوزير المدني ليس ناجحا لمجرد أنه مدني، والوزير العسكري ليس ناجحا لمجرد أنه جنرال. وكلاهما مطالب بإثبات قدرته على أداء مسؤولياته، واحترام القانون، وتقديم نتائج ملموسة.

والأجدر بالنقاش الوطني أن يتجاوز السؤال الضيق: من الأحق بحمل لقب وزير الدفاع، المدني أم العسكري؟ إلى السؤال الأعمق: كيف نبني مؤسسة دفاعية مهنية، تخضع لسلطة دستورية مدنية، وتستفيد من خبرات العسكريين، وتدار بكفاءة وشفافية، وتخضع للمساءلة عن أدائها؟

فالدولة لا تبنى بالرتب وحدها، ولا بالشعارات وحدها، ولا بالولاءات وحدها. إنها تبنى بمؤسسات قوية، وقواعد واضحة، ومسؤولين يثبتون جدارتهم بالعمل، ومعارضة تقدم البدائل والحجج، لا الاكتفاء بإثارة الشكوك.

إن الكفاءة لا يثبتها الزي العسكري ، كما لا تنفيها الصفة المدنية؛ إنما يثبتها العلم والخبرة وحسن التدبير والقدرة على الإنجاز. ومن أراد محاسبة المسؤولين، فليجعل معيار الحكم واحدا للجميع : ماذا أنجزوا، وكيف أداروا مسؤولياتهم، وما الذي قدموه للوطن؟

سيدنا ولد السبتي

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى