sliderمقالات ورأي

من سكينة الحكم إلى نهضة الوطن… الغزواني يرسم ملامح موريتانيا الجديدة

كتب: أحمد باب امبيريك

لم يكن الاستقرار عند الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني شعاراً يُرفع في المناسبات، ولا هدنةً عابرةً تُدار بها الأزمات، بل كان مشروعاً وطنياً متكاملاً، انطلق من قناعة راسخة: أن الدولة لا تُبنى على صفيح ساخن، وأن التنمية لا تزدهر في أرض تهتز تحت أقدام أبنائها.
لقد أدرك الرئيس منذ اللحظة الأولى أن موريتانيا، بما تختزنه من ثروات، وما تواجهه من تحديات، لا تحتاج أولاً إلى مزيد من الوعود، بل إلى سكينة سياسية، وثقة مؤسسية، ومناخ عام يسمح للطاقات الوطنية أن تتجه إلى البناء، بدل أن تُستنزف في التجاذب والصراع.
ومن هنا، جاء خطابه هادئاً لا ضعيفاً، ومتأنياً لا متردداً. خطاب آثر التهدئة على التصعيد، والتشاور على الإقصاء، والتوافق على الغلبة. فانفتحت أبواب الحوار بين السلطة والمعارضة، واتسعت مساحات التواصل بين مكونات المجتمع، وأصبحت السكينة السياسية ليست مجرد غياب للفوضى، بل حضوراً للعقل، وسيادةً لمنطق الدولة.
غير أن الاستقرار، في فلسفة الغزواني، لم يكن غاية في ذاته، بل كان الجسر الذي تعبر عليه التنمية. فلا مؤسسات تعمل بلا استقرار، ولا إدارة تنجح بلا ثقة، ولا استثمار يأتي إلى أرض لا يأمن فيها صاحبه على ماله ومستقبله.
ولذلك، لم يختصر الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني التنمية في الإسمنت والحديد، ولا في تدشين المشاريع الكبرى، بل ردّها إلى جوهرها الإنساني: أن يشعر المواطن البسيط أن الدولة تراه، وأن ثمار النمو تصله حيث هو، في قريته النائية، وفي حيّه الهش، وفي بيته الذي ينتظر الإنصاف.
وقد تجلى ذلك في جعل التضامن الاجتماعي ركيزة للحكم، لا هامشاً له. فكانت “التآزر” تعبيراً عملياً عن فلسفة الإنصاف، عبر الدعم النقدي والغذائي، وتوسيع النفاذ إلى التعليم والصحة والمياه والسكن. وكانت برامج الحماية الاجتماعية، وفي مقدمتها برنامج “عون”، محاولة جادة لجعل الحماية حقاً منتظماً، لا إحساناً ظرفياً، ولجعل الفئات الهشة في قلب السياسات العمومية، لا على أطرافها.
وقد حبا الله هذه الفلسفة بمنسق حكومة من طراز خاص، هو المختار ولد أجاي، رجل يعمل في صمت، ويواجه في صبر، ويتحرك في ثبات، رغم تعدد خصومه داخل الحكم نفسه، وداخل الحزب نفسه. لم تُضعفه المكائد، ولم تُربكه الاصطفافات، ولم يُغره الصخب السياسي، بل ظل وفياً لمشروع الرئيس، مترجماً توجيهاته إلى برامج، وخططه إلى إنجازات، وهدوءه إلى إدارة رزينة للملفات الكبرى.
لقد أثبت، بالتجربة لا بالكلام، أن قوة الرجل لا تُقاس بكثرة أنصاره، بل بثباته عند الخصومة، وأن الولاء الحقيقي لا يُقاس بالتصفيق في أوقات الرخاء، بل بالصمود في أوقات الامتحان. فكان سنداً قوياً لفلسفة الاستقرار، وشريكاً صادقاً في تحويل السكينة إلى نهضة، والنهضة إلى واقع.
أما اليوم، فإن المرحلة تدخل منعطفاً جديداً: لم يعد السؤال: ماذا أُعلن من مشاريع؟ بل: ماذا تحقق منها على أرض الواقع؟ ولم تعد العبرة بالتمويلات المرصودة، بل بجودة الإنجاز، واحترام الآجال، وقياس الأثر في حياة الناس.
إنها فلسفة تقوم على التدرج لا القفز، وعلى التراكم لا الارتجال، وعلى أن التنمية عملية متكاملة، تتكامل فيها السياسة والاقتصاد والاجتماع والمؤسسات، ولا تُختزل في قرار منفرد، ولا في مشروع عابر.
ولعل أبلغ ما تكشفه هذه القراءة، أن الغزواني أعاد الاعتبار لفكرة جوهرية غابت طويلاً: أن التنمية ليست مهمة حكومة وحدها، ولا برنامجاً ظرفياً، بل مسؤولية دولة ومجتمع، وعقد وطني بين الحاكم والمحكوم، قوامه الاستقرار، وغايته العدالة، وثمرته الكرامة.
وإذا كانت سكينة الحكم قد شكلت عنوان المرحلة الأولى، فإن التحدي اليوم أعمق وأدق: أن تتحول التنمية من أرقام تُتلى، إلى واقع يُلمس، ومن مشاريع تُدشّن، إلى مكاسب مستدامة تتجاوز حدود المأمورية، وتبقى شاهدة على أن الاستقرار حين يُحسن استثماره، يصبح أخصب أرض للنهضة.
وبهذا الرصيد من الاستقرار، وهذا النضج في الأداء، وهذا الاتساق بين القيادة والتنفيذ، يمكن الشروع في التخطيط لمأمورية ثالثة، لا بمنطق الاستمرار من أجل الاستمرار، بل بمنطق استكمال مشروع وطني بدأ بالسكينة، ويواصل طريقه نحو النهضة.

الإعلامي أحمد باب امبيريك رئيس جمعية الإذاعيين الموريتانيبن

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى