sliderالمبتدأ

تأملات في الأمن القومي الموريتاني: لكويرة، التبادل السيادي، ومفهوم العداء الاستراتيجي

كتب: أحمد ولد أمبارك

ليس من عادتي الإشادة بما تقوم به الأنظمة… لكن الخطوة التي قامت بها موريتانيا والتي عبرت عنها الفقرة 8 من مسودة تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول الصحراء الغربية والمقدمة إلى مجلس الأمن الدولي تحت الرمز (S/2026/781) والمؤرخة في 01 أكتوبر 2026، تستحق التوقف عندها والإشادة بها حتى وإن جاءت متأخرة . لقد نص التقرير حرفيا في فقرته 8 على ما يلي:
“وخلال هذه الجولة والجلسات اللاحقة، شددت موريتانيا على ضرورة تشكيل لجنة لتوضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم المتنازع عليه بطريقة توافقية.”
أقول:
1. إن انتقال الدبلوماسية الموريتانية الرسمية إلى هذا المستوى من الوضوح والمطالبة الصريحة بتحديد الحدود النهائية للإقليم يمثل قفزة نوعية؛ فهي خطوة تخرج البلاد من عباءة الحياد السلبي لتضع مصلحة الأمن القومي الموريتاني فوق كل اعتبار، وتدفع بالجميع نحو حلول قانونية راسخة لا تقبل التأويل الميداني.
2. هذه الجرأة الدبلوماسية يجب أن تتبعها خطوات ميدانية شجاعة تفكك العقد الكامنة، وعلى رأسها شريط لكويرة اللصيق بعاصمتنا الاقتصادية نواذيبو وميناء تصدير خام الحديد والذي يمثل الشريان الحيوي الحقيقي لاقتصادنا الوطني.
3. وهنا يفرض التساؤل الجوهري نفسه أمام صناع القرار والمحيط الإقليمي…. ما الذي يريده أي طرف من الإصرار على التمسك بشبه جزيرة لكويرة والتحكم في مستقبلها والتمسك بها دون إبداء أي مرونة للمفاوضة أو التفاهم السيادي المشترك؟
4. أليس هذا الإصرار على الاحتفاظ بنقطة جغرافية حساسة وتماس مباشر مع حدودنا الحيوية يعكس رغبة واضحة في إبقاء سيف استراتيجي مسلط على خاصرتنا الرخوة لاستخدامه كأداة ضغط دائمة ضد نواكشوط عند أي تحول؟
5. ألا يفسر رفض التفاهم أو الممانعة المطلقة في مقايضة هذه النقطة بنقاط أخرى كنوع من العداء الاستراتيجي الحقيقي والمبيت، الذي يسعى لحصار الممرات البحرية للدولة وشل قدرتها الاقتصادية؟
6. إن تأمين العمق الموريتاني يتطلب البناء على هذا التحول الأممي، وطرح خيار التبادل السيادي المشروط للأراضي كحل ندي ومتوازن يضمن منح موريتانيا السيادة الكاملة على لكويرة لتأمين نواذيبو، مقابل تفاهمات جغرافية أخرى تخدم تطلعات الطرف الآخر، أسوة بالنماذج التاريخية الناجحة التي أعادت هندسة حدودها لحماية أمنها القومي واستقرارها المستقبلي، ومن تفاصيلها الحية:
____
١. الاتفاق الأردني السعودي لترسيم الحدود (عام 1965): واجه الأردن حينها أزمة خانقة في حدوده البحرية المتمثلة في شريط ضيق جدا على خليج العقبة يشل تطلعاته الاقتصادية. وبموجب الاتفاقية المشتركة، قدم الأردن تنازلا للمملكة العربية السعودية عن مساحة واسعة من الأراضي الداخلية والصحراوية بلغت نحو 7,000 كيلومتر مربع، وفي المقابل حصل الأردن على مساحة 6,000 كيلومتر مربع مكنته من توسيع شريطه الساحلي على خليج العقبة بمقدار 19 كيلومترا إضافيا حيويا؛ مما أتاح له بناء ميناء العقبة الحديث وتأمين شريانها البحري والنفطي الوحيد دون أي تهديد جواري مستقبلي.
٢. اتفاقية تبادل الجيوب الحدودية بين الهند وبنغلاديش (عام 2015): أنهى البلدان أعقد وأغرب نزاع حدودي وتداخل ديمغرافي موروث منذ الاستعمار البريطاني، حيث كانت توجد بقع ترابية هندية معزولة تماما داخل الأراضي البنغالية والعكس، ما شكل تهديدا أمنيا متبادلا واستحالة لبسط السيادة. قامت الدولتان بتبادل سيادي شجاع؛ حيث تنازلت الهند رسميا عن 111 جيبا ترابيا (بمساحة تقدر بـ 17 ألف فدان) داخل بنغلاديش، مقابل تنازل بنغلاديش عن 51 جيبا (بمساحة 7 آلاف فدان) داخل الهند. هذا الحل الجغرافي الندي لم ينظر إليه كتنازل، بل كخطوة استراتيجية شجاعة طهرت حدود الدولتين، وأمنت عمقهما الجغرافي، وحررت طاقاتهما الأمنية من الاستنزاف.
____
ختاما أقول:
إن الخيار أمام الأطراف الإقليمية واضح؛ فإما التجاوب المرن والتفاهم السيادي المشترك لتأمين المصالح الحيوية المتبادلة، وما عدا ذلك فليس سوى إعلان حرب استراتيجية مبطنة ضد موريتانيا تهدف إلى إبقاء ممراتنا البحرية وعاصمتنا الاقتصادية تحت رحمة التهديد الدائم.

تحياتي
أحمد ولد أمبارك

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى