تُشكل الصحراء الغربية (ريو دي أورو) وشمال موريتانيا وحدة ترابية وبشرية وتاريخية لا تتجزأ في جوهرها.
فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، وقبل وقت طويل من التغلغل الاستعماري الفرنسي في المنطقة، أُبرم اتفاق مع السلطات الإسبانية ينسجم تماماً مع هذه الوحدة الجغرافية؛ إذ سعت البعثة الإسبانية -التي قادها النقيب خوليو سيرفيرا بافييرا في يوليو 1886- إلى تأمين المناطق الداخلية لـ “ريو دي أورو” عبر التفاوض المباشر مع الزعماء التقليديين والسلطة السيادية في المنطقة: إمارة آدرار.
وقد تُرجم هذا الحدث التاريخي الهام إلى توقيع معاهدتين أساسيتين في 12 يوليو 1886؛ حيث ألزمت المعاهدة الأولى القبائل الرحل بشكل جماعي، ونصت صراحةً على ما يلي:
«تخضع لإسبانيا، اعتباراً من اليوم، جميع الأراضي الواقعة بين ساحل الممتلكات الإسبانية على المحيط الأطلسي – الممتد من رأس بوجادور إلى الرأس الأبيض – والحدود الغربية لمنطقة أدرار.»
أما المعاهدة الثانية، التي وقعها في اليوم نفسه الأمير أحمد ولد سيد أحمد (أحمد بن محمد ولد العيدّة) نيابةً عن جميع القبائل الصحراوية في منطقة الساحل، فقد أقرت بالحماية والسيادة الإسبانية على منطقة “أدرار تيمار”، مع إرساء تحالف تجاري حصري. ومن خلال تصرفه كممثل شرعي لهذه الكتلة المترابطة والشاسعة، أثبت الأمير أن الساحل الأطلسي وهضاب الداخل الموريتاني كانا يشكلان حيزاً جيوسياسياً واحداً وموحداً قبل عمليات التقسيم الأوروبية؛ إذ لم تظهر الحدود المصطنعة التي مزقت هذا الكيان الموريتاني الأصيل الكبير إلا في وقت لاحق، بموجب الاتفاقيات الفرنسية-الإسبانية المبرمة عامي 1900 و1912.
وفي مرحلة لاحقة، حين احتل القائد “غورو” منطقة أدرار (1908-1909)، كان قد اقترح في البداية تحويل الشمال إلى منطقة خاضعة للحماية (محمية) حفاظاً على السلطة المحلية؛ وبناءً على هذا المقترح، وافق الأمير على العودة لإدارة المنطقة. غير أن الإدارة الاستعمارية سرعان ما نكثت بوعودها وفرضت سيطرة مباشرة، مما دفع الأمير إلى العودة فوراً إلى طريق التمرد.
وعلى الصعيد القانوني المعاصر، تجدر الإشارة إلى أن اتفاقية مدريد (1975) قد أُقرت رسمياً من قبل البرلمان الموريتاني. وحتى يومنا هذا، لم يصدر أي قانون وطني يلغي هذا القرار التاريخي أو يشكك فيه، مما يُبقي الرابط القانوني ومسؤولية موريتانيا قائمين دون تغيير.
في ظل استحالة فصل هذا الشعب الذي تجمعه روابط التاريخ والثقافة الحسانية والدم، يكمن المخرج العملي الوحيد في حل سياسي شجاع: إذ يتعين على موريتانيا تبني خيار إنشاء كيان يتمتع بحكم ذاتي داخلي موسع. ومن شأن هذا الكيان أن يضم -في تناغم تام- مناطق الشمال الموريتاني الأربع (آدرار، وتيرس زمور، وداخلت نواذيبو، وإنشيري) بالإضافة إلى منطقة “وادي الذهب.
إن هذا الحكم الذاتي الداخلي الموسع ليس مجرد فكرة نظرية، بل يمثل البديل الحقيقي الوحيد للجمود الجيوسياسي الذي يشل المنطقة منذ نصف قرن. ومن خلال استحضار السندات القانونية لموريتانيا -التي لم تنفها تشريعاتها الداخلية قط- يفتح هذا المقترح مساراً ثالثاً منقذاً؛ فهو يرفض تمزيق أوصال الشعب ويتجاوز خطوط التماس التي عفا عليها الزمن. ومن الناحية السياسية، فإن إنشاء هذا القطب المستقل الكبير -الذي يجمع الشمال و”ريو دي أورو”- من شأنه أن يرسخ دعائم قوة اقتصادية وأمنية محورية على الواجهتين الأطلسية والصحراوية، مما يضمن أخيراً السلام والاستقرار واستعادة وحدة المجتمع الصحراوي.
لبات ولد أيتاه







