sliderالمبتدأ

“من تعثر التنمية إلى ارتجال الحوار: دولة بلا استمرارية في زمن الأزمات”

في التجربة الموريتانية، لا يمكن فصل تعثر المسار التنموي عن طبيعة البنية السياسية التي تشكلت عبر عقود من عدم الاستقرار، حيث تحولت الانقلابات العسكرية إلى نمط حكم أعاد إنتاج الدولة على أسس هشة، تقوم على القطيعة بدل التراكم.

أولى هذه الإشكالات تتجلى في تعدد الانقلابات وما يرافقها من صعود نخب جديدة، إذ لا يقتصر التغيير على قمة السلطة، بل يمتد ليشمل مفاصل الإدارة، فتُستبدل الكفاءات بنخب موالية. ونتيجة لذلك، تغيب الاستمرارية، وتُجهض الخطط التنموية في مهدها، أو تُترك دون استكمال، لتظل الدولة أسيرة مشاريع مؤقتة لا تعكس رؤية استراتيجية طويلة المدى.

ويتعزز هذا الخلل بفعل غياب بُعد النظر لدى القيادات، حيث لم يُستثمر بشكل جدي في بناء مؤسسات علمية وتكوينية متخصصة، خصوصًا في المجالات التكنولوجية والعسكرية. وهو ما جعل البلاد تعاني من هشاشة في إنتاج المعرفة، وتبعية شبه دائمة للخارج في مجالات يفترض أن تكون في صميم السيادة الوطنية.

كما يفرض عامل قلة السكان واتساع الرقعة الجغرافية تحديات بنيوية، تزيد من كلفة التنمية وتعمق الفوارق بين المركز والأطراف، مما يُبقي أجزاء واسعة من البلاد خارج ديناميكية النمو، ويؤثر على توازن الدولة المجالي.

وفي السياق ذاته، برزت ظاهرة تحول الخدمة الإدارية إلى مكرمة، بدل أن تكون حقًا مكفولًا. وهو ما أفرز ثقافة إدارية مشوهة، يُضطر فيها المواطن إلى دفع “ثمن” للحصول على خدمات يفترض أنها حق طبيعي، مما يُضعف الثقة في الدولة ويُرسخ الفساد الصغير.

ولا يمكن إغفال سوء التسيير وفشل المنظومة التربوية، التي لم تنجح في إنتاج كفاءات قادرة على قيادة التنمية أو إصلاح الإدارة، بل ساهمت في إعادة إنتاج نفس الاختلالات، مما أدى إلى انسداد أفق التغيير من الداخل.

وفي خضم هذه التراكمات، يأتي الحوار السياسي الراهن كمحاولة لإعادة ترتيب المشهد، غير أن بداياته كشفت عن نفس الارتجالية التي طبعت المسار العام، حيث تم استبعاد النساء من التمثيل داخل وفود الأحزاب، سواء في المعارضة أو الأغلبية. وهذا الإقصاء لا يعكس فقط خللًا تمثيليًا، بل يؤكد استمرار العقلية التي تدير الشأن العام بمنطق الإقصاء وضعف التخطيط.

إن حوارًا يُقصي نصف المجتمع، ويفتقر إلى التحضير العميق، لا يمكن أن يُنتج حلولًا لأزمة هي في جوهرها أزمة بنيوية ممتدة. بل قد يتحول إلى مجرد إعادة إنتاج للأزمة نفسها، في صيغة جديدة.

وتزداد خطورة هذا الوضع في ظل ظرف دولي بالغ الحساسية، حيث تلقي حرب الشرق الأوسط بظلالها على استقرار المنطقة، وتؤثر بشكل مباشر على أسواق الطاقة والممرات البحرية، وهو ما ينعكس على الدول الهشة اقتصاديًا. وفي مثل هذا السياق، تصبح الحاجة إلى جبهة داخلية متماسكة، قائمة على حوار شامل وجاد، أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

إن استمرار هذه العوائق—من غياب الاستمرارية، وضعف الرؤية، واختلال التمثيل، وسوء التسيير—لا يهدد فقط فرص التنمية، بل يُعرض الدولة نفسها لمخاطر فقدان القدرة على التكيف مع التحولات العالمية.

وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تنظيم الحوار في حد ذاته، بل في إعادة تأسيس منطق الدولة: دولة تستند إلى الاستمرارية لا القطيعة، إلى الكفاءة لا الولاء، إلى الشمول لا الإقصاء. دون ذلك، سيظل أي حوار مجرد محطة عابرة في مسار أزمة لم تجد بعد طريقها إلى الحل.

حمادي سيدي محمد آباتي

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى