حين توقفتُ مبكرًا عند خطاب السفير محمد ولد ببّانه في مهرجان الغبرة، لم يكن ذلك انحيازًا ولا اصطفافًا، بل لأن إشارة خرجت من بين ضجيج مهرجان محلي، بدت لي جديرة بقراءة هادئة قبل أن تُدفن تحت ركام الانفعال.
وقد يُفهم هذا التوقف على أنه دفاع، وهو كذلك، لكن عن حقّ الرأي قبل أي شيء آخر.
إن ما قيل في الغبرة لم يكن إعلان سياسة، ولا تحديًا للدستور، ولا محاولة لفرض مسار، بل رأيًا طُرح في سياق حديث عن حوار وطني مرتقب، وهو سياق يفترض أصلًا سعة الصدر وتعدد المقاربات.
ومع ذلك، جرى التعامل مع الكلام وكأنه قرار، ومع الفكرة وكأنها تهديد، فحوسِب الرجل بدل أن تُناقَش الإشارة.
والأكثر إثارة للاستغراب أن جانبًا من الهجوم صدر عن شخصيات سبق لها، في محطات مختلفة، أن تبنّت الطرح ذاته صراحة أو ضمنيا ، أو دارت حوله بألفاظ أخرى.
هنا لا يعود الخلاف خلاف مبدأ، بل خلاف موقع أو توقيت، وهو ما يُضعف النقاش بدل أن يُغنيه.
مع أن لدفاع عن السفير ولد ببانه هنا ليس حميةً ولا تبرئةً لموقف، مع أنني لا أتبرأ من ذلك إذا اقتضت الضرورة، بل هو رفض لمنطق المحاكمة الانتقائية فالسياسة ،إن فقدت حقّ المراجعة وتبدّل القناعات، تحولت إلى أرشيف جامد لا إلى ممارسة حيّة.
ومن يرفع شعار الحوار، لا يستقيم أن يضيق صدره بأول رأي خارج السرب.
فالرسالة الواردة من الغبرة إلى الحوار الوطني، رسالة واضحة،مفادها، أن المسألة أوسع من شخص وتصريح.
بل إنها تتعلق بقدرتنا على حماية النقاش العام من الانفعال، وعلى التمييز بين الرأي والقرار، وبين السؤال والتهديد.
فالحوار الذي يُخيفه رأي، لن يحتمل خلافًا، ولن يُنتج توافقًا.
وقد نختلف مع ما قيل، وقد نرفضه جملة وتفصيلًا، لكن العدالة السياسية تبدأ من هنا:
أن يُناقَش الرأي لا أن يُصادَر،
وأن يُدافَع عن حقّ صاحبه في قوله، لا عن صوابه بالضرورة.






