الفيلسوف الألماني هيغل يعتبر أن الوعي الإنساني يتطور بالصراع ، و هذا الصراع هو حركة التاريخ، و التاريخ نفسه مسرح الصراعات.
لذا فإن الصراع ضروري للتطور. و كل صراع هو في ذات الوقت نفي لوجود و خلق لوجود جديد.فعلى الذين أثروا ، نهبا، من أموال الشعب الموريتاني، مستفيدين من الصراع، و نفي نظام قديم و قدوم نظام جديد، أن يدركوا على وجه اليقين أن الصراع لن يتوقف عند منحهم، هم، فرصة الاستيلاء على ثروات الشعب الموريتاني. فالظروف المناسبة بالنسبة لهم الآن ستنتفي بوجود ظروف مناسبة لآخرين، و ستحمل فكرة و عوامل تدمير حياتهم كما حطمت حياة المحظوظين السابقين ، من قبلهم. هذه الخاصية الارتدادية للتاريخ هي أخطر هشاشة تصاحب المتسلطين؛ إذ نادرا ما ينتبهون إليها إلا في غياهب السجون و الجرجرة أمام المحاكم؛ هذا إذا حالفهم حسن الحظ، أما إذا لم يكن الحظ إلى جانبهم، فلا يفيقون من سكرتهم بالسلطة إلا تحت سياط الشعوب و سحلها لهم في الساحات العامة أو حين يهربون دون أن يسعفهم الوقت لاصطحاب ثيابهم الداخلية و صورهم الحميمية!
الغريب أن الأنظمة الفاسدة، التي تمكن ذويهم و زبانياتهم من سرقة ثروات و مقدرات شعوبهم، أو أولئك، من غير ذويهم، الذين يلعبون دور الستائر للتمويه على نهب الرئيس نفسه من خلال شركات وهمية تستحوذ على الصفقات العمومية بالشراكة مع شركات دولية وهمية،هؤلاء يشتركون في خاصية البلادة ذاتها! فحين أطيح بنظام الرئيس السابق معاوية ولد سيدي أحمد للطايع، كان الأشخاص الذين حظوا بثقة أصحاب السلوك المنحرف من ذوي الرئيس معاوية و ائتمنوهم على أسرارهم في التعدي على أموال الشعب و الهيمنة على الصفقات العمومية بقوة المتاجرة بالنفوذ، هم من تبرعوا للنظام الجديد و للعامة في أسرع وقت بكشف كل الممارسات المشينة عن أوثانهم التي كانوا يعبدونها في ظل النظام السابق. و هكذا كرر الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز ذات المسار الغبي و كرره ذووه ممن انحرفوا بسبب السكرة بالسلطة و قرابة الرئيس، فلم يجدوا أشد عليهم من العناصر التي كانوا يستخدمونها في التعدي على حرمات الشعب الموريتاني ! و لا يبدو أن حليمة غيرت عادتها القديمة، فالموريتانيون يعرفون من كان بالأمس يكابد الظروف ليعيش بحد الكفاف، بائع خزف أو خشب أو عاملا مأجورا ، فأصبح ،بين عشية و ضحوة، مالكا للبنوك و العقارات و الأرصدة … و يعرفون من لا يستطيع أحد منافسته في الصفقات العمومية العملاقة بسبب التنفذ بالسلطة، و من يتمتع بالصفقات العمومية دون منافسة و هو تحت طائلة شبهة سرقة المال العام في مشاريع سابقة، في تحد للقانون و الأخلاق … فكل كبيرة و صغيرة تحصى عليهم بالخفاء في حقبة النشوة بالغلبة، لحينما يتحرك التاريخ بوثبة صراع فجائي أو بانزياح عادي، فتنتفي لحظة قوة هؤلاء بتأسيس لحظة قوة جماعة آخرين؛ يومئذ لا تخفى منهم خافية، فيدلي رئيس الحزب الحاكم و قيادته و أطره بما علموا و ما يرغبون أن يضيفوا من عند أنفسهم عربونا لشراء مودة الوافدين الجدد، و يومئذ تتنافس أحزاب الأغلبية في بياناتها المنددة بالنظام البائد و بغطرسة ذويه و فحش ندمائه، و يأتي زعماء ” المعارضة المحنطة” من غرفة العناية المركزة ليشاركوا الشعب الموريتاني فرحته في نهاية نظام ” ظلوا يقاومون شره المستطير على الوحدة الوطنية خلال مأموريتيه” ، و يومئذ تندفع الشخصيات ذات الفخامة و العناوين من الوزراء السابقين و الأمناء العامين السابقين و الرؤساء السابقين للجنة الوطنية للانتخابات و القضاة و كبار الضباط المتقاعدين من شتى الأسلاك و المودعين و المستقبلين لفخامة رئيس الجمهورية في كرنفاليات مدن التراث، و من شيوخ المحاظر و أئمة المساجد، و أصحاب اللحى المحمرة و الشوارب الحليقة، و أساتذة الجامعة، و زعماء الدفاع الحقوقي، … يومئذ يهرع الجميع ليعطوا دروسا أكاديمية رائعة عن خطورة الفساد و عن تمسك النظام المسحوب من التداول بنهج الفساد و بتدوير المفسدين، و أنهم لم يفوتوا فرصة دون إسداء النصائح، في السر و العلن، للرئيس السابق، إلا أنه كان مصرا على تمليك البلاد و العباد لذويه و أصهاره و أصدقائه، و أنهم عارضوا بكل قوة و مبدئية تبديد أموال الشعب على التافهين في شنقيط و ودان و ولاته و تشيت!
يومئذ يبدأ عهد جديد على درب قديم و نهج سقيم، كما بدأنا أول نظام نعيده، بانتظار موجة من الصراع ليتحرك التاريخ من جديد… !






