sliderالمبتدأ

غياب الطبقة الوسطى وأثره في إعاقة التحول الديمقراطي الديمقراطية بين المثال والتزييف

من المعلوم أن الديمقراطية ممارسة مثالية لتنظيم سير الأنظمة والدول، لكنها لا يمكن أن تنشأ في الفراغ. فالديمقراطية الحقيقية ليست تلك التي يُجبر الغرب الدول النامية على ممارستها شكلياً، حيث تتحول إلى أداة لتكريس الديكتاتورية عبر تزوير الانتخابات وشراء الذمم.

إن الديمقراطية الأصيلة لا تنمو إلا في بيئة اجتماعية ناضجة، تتوافر فيها طبقة وسطى واعية، ومجتمع مدني نابع من التجربة والمعاناة، لا من قرارات فوقية أو توجيهات رسمية.

ديمقراطية موريتانيا بين الشكل والمضمون

بلدنا موريتانيا نموذج واضح لتلك الدول التي فُرضت عليها ديمقراطية زائفة، فعملت الأنظمة المتعاقبة على مواءمتها مع مصالحها، فخلقت أحزاباً وشخصيات معارضة على المقاس، كما أنشأت نقابات ومنظمات لتغلق بها الطريق أمام تلك التي ولدت من رحم المعاناة والوعي الشعبي.

وبدل أن تكون الديمقراطية وسيلة لتداول السلطة والرقابة والمساءلة، تحولت إلى واجهة تجميلية تُستعمل لتزيين واقع تغذّيه الزبونية والمحسوبية والولاءات الضيقة.

الاقتصاد الريعي وغياب الطبقة الوسطى

إن الاقتصاد الريعي وانتشار الفساد واحتكار الثروة من قبل فئة ضيقة أدّى إلى تآكل الطبقة الوسطى، التي هي الشرط التاريخي لقيام مجتمع مدني فعّال. ومع غيابها، غاب الوعي الجمعي القادر على فرض الشفافية والمساءلة.

فالطبقة الوسطى كانت دائمًا بمثابة صمام الأمان الاجتماعي والسياسي، وضمانة للتوازن بين الحاكم والمحكوم. أما حين تُسحق تحت وطأة الفساد، فإن المجتمع يفقد توازنه، وتُختزل السياسة في تبادل المنافع بين النخب الطفيلية.

أزمة الثقة وتقرير محكمة الحسابات

اليوم، ومع أن الفساد لم يعد بالإمكان إخفاؤه، يجد الرئيس نفسه أمام إشكالية معقدة وأزمة متجددة: فمقربوه جهوياً وأقاربه لا يمكن الاعتماد عليهم في تصفية المفسدين، لأن كثيرين منهم متورطون في الفساد ذاته.

لقد أعاد تقرير محكمة الحسابات إلى الواجهة هذه الأزمة البنيوية التي تتكرر منذ عقود: أزمة نظام بلا قاعدة اجتماعية، ودولة بلا طبقة وسطى، وديمقراطية بلا مضمون.

نحو وعي جديد

إن الخروج من هذا النفق لا يكون بإصلاحات تجميلية، بل بوعي جديد يعيد بناء المجتمع على أسس العدالة والشفافية، ويستعيد للطبقة الوسطى مكانتها كقوة رافعة للتوازن والإصلاح.
فـ من دون طبقة وسطى واعية، تبقى الديمقراطية مجرد ديكور سياسي يطيل عمر الفساد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى