
شهدت اليوم العاصمة الإيرانية طهران حراكاً جيوسياسياً غير مسبوق بانعقاد قمة أمنية وعسكرية رباعية، جمعت قادة ما يُعرف بـ “تحالف مكة” (السعودية، تركيا، وباكستان) مع القيادة الإيرانية.
ويمثل هذا الاجتماع، في توقيته ومكانه ونوعية ومستوى المشاركين فيه، زلزالاً دبلوماسياً يؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات الدولية في الشرق الأوسط.
وهكذا، لم يعد الأمر مجرد مناورات سياسية، بل نحن أمام إعادة صياغة فعلية للعقيدة الأمنية الإقليمية، حيث تتحول فيها دول المنطقة من الاعتماد المطلق على الحليف الأمريكي إلى المبادرة الاستراتيجية المباشرة.
ويأخذ هذا الاجتماع أهميته القصوى من طبيعة المعطيات التالية:
1. التوقيت الحرج: استغلال الفراغ الانتخابي والانشغال الغربي:
لا يمكن قراءة هذا التحرك بمعزل عن روزنامة الانتخابات الغربية والإسرائيلية المزدحمة في خريف 2026. ولا شك بأن مختلف أطراف التحالفات الإقليمية تدرك أن واشنطن تمر بمرحلة “بطة عرجاء” انتخابية؛ حيث تضغط تداعيات الحرب، أزمات سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة على الناخب الأمريكي قبيل انتخابات التجديد النصفي في 4 نوفمبر القادم. وبالتوازي، تعيش إسرائيل حالة من الانقسام الحاد عشية انتخاباتها في 27 أكتوبر الجاري.
ولا شك أن هذا التوقيت قد منح القوى الإقليمية الأربع نافذة ذهبية للتحرك من أجل:
– تحييد الضغوط: استغلال انشغال الإدارة الأمريكية بترتيب أوراقها الداخلية لتمرير تفاهمات إقليمية صعبة؛
– استباق النتائج: تحصين المنطقة أمنياً ضد أي تحولات حادة قد تفرزها صناديق الاقتراع، سواء بعودة ترامب لسياسة “الضغوط القصوى” والابتزاز المالي، أو بتوجه ديمقراطي نحو تقليص الالتزامات العسكرية؛
2. الازدواجية الاستراتيجية: ضوء أخضر أمريكي أم تمرد مدروس؟
يطرح هذا الحدث تساؤلاً جوهرياً حول حقيقة الموقف الأمريكي، حيث تشير القراءة التحليلية العميقة إلى حالة من “الازدواجية الوظيفية” لهذا اللقاء، والتي يمكن فهمها عبر مسارين متوازيين. من جهة أولى، قد يمثل الاجتماع “قناة تفريغ” بضوء أخضر أمريكي؛ إذ تجد واشنطن نفسها في حاجة ماسة لخفض أسعار الطاقة وتهدئة الجبهات المشتعلة، لا سيما في البحر الأحمر وملف الحوثيين، دون الاضطرار لتقديم تنازلات مباشرة لطهران قبيل الانتخابات. وهذا الوضع قد يدفع الإدارة الأمريكية لاستخدام العواصم الإقليمية كوسطاء موثوقين لحفظ ماء الوجه وتهدئة الأسواق. ولكن، من جهة أخرى، يعكس اللقاء حالة من “الانفكاك الاستراتيجي” (Breakaway) المدروس؛ حيث أدركت الرياض وأنقرة وإسلام آباد أن “المظلة الأمنية الأمريكية” قد تآكلت، وأن واشنطن لم تعد قادرة أو راغبة في حماية حلفائها من التهديدات غير المتماثلة. وبناءً على ذلك، سعت هذه العواصم إلى بناء استقلالية استراتيجية، وتأسيس شبكة أمان إقليمية ذاتية لا ترتهن لمزاج ساكن البيت الأبيض.
ولعل التفسير الأرجح هنا هو التقاء المصالح: وأغلب الظن أن واشنطن تغض الطرف تكتيكياً لحاجتها للهدوء، بينما تستغل العواصم الإقليمية هذه اللحظة لتأسيس مسار أمني مستقل ومستدام.
3. رمزية طهران.. البراغماتية تتفوق على الأيديولوجيا:
لا مراء في أن عقد الاجتماع في طهران، في ظل تعرضها لكل الضربات العسكرية السابقة، هو إعلان رسمي بموت سياسة “العزل الدبلوماسي”. ومن الواضح الآن أن كلا من الرياض، وأنقرة، وإسلام آباد قد توصلت إلى قناعة استراتيجية بأن الجغرافيا هي قدر لا يمكن تغييره.
كما أن المبادرة بالذهاب إلى طهران تمثل اعترافاً براغماتياً بأن أمن الخليج والممرات المائية وآسيا الوسطى لا يمكن تأمينه عبر إقصاء إيران، وأن استمرار سياسة حافة الهاوية سيدمر الخطط الاقتصادية الطموحة لهذه الدول (مثل رؤية 2030 في السعودية ومشاريع التنمية في تركيا وباكستان). وبطبيعة الحال ليس هذا إعلان استسلام أمام النفوذ الإيراني، بل هو في جوهره، محاولة لـ “ترويض” هذا النفوذ عبر استغلال وتعظيم تشابك المصالح والاعتراف المتبادل بالهواجس الأمنية المشتركة.
4. ملامح “يالطا” جديدة في الشرق الأوسط:
وهكذا، لا بد من التساؤل هل نشهد -من خلال هذا الاجتماع اليوم- ولادة قيصرية لهيكل أمني جديد يشبه في جوهره اتفاقية “يالطا” بعد الحرب العالميةالثانية؟ ولكنه يُصنع هذه المرة بأيادٍي محلية وإقليمية؟
ولعل أبرز الملامح الأساسية لهذه الهندسة الجيوسياسية يمكن تلخيصها في ما يلي:
– الانتقال من “الردع الخارجي” إلى “توازن المصالح”: استبدال الأساطيل الأمريكية المتنقلة بضمانات أمنية متبادلة بين القوى الأربع الكبرى؛
– تقاسم أعباء الاستقرار: تولي دول المنطقة مسؤولية حل ملفاتها الشائكة (اليمن، سوريا، القوقاز، وأمن الخليج) عبر تفاهمات وتنازلات متبادلة تبقي القوى الكبرى (أمريكا، روسيا، الصين) خارج غرف التفاوض المباشر؛
– عسكرة التعاون الاقتصادي: حضور وزراء الدفاع وقادة الجيوش والمخابرات يؤكد أن تأمين طرق التجارة والنفط بات يتطلب تنسيقاً عملياتياً مشتركاً وليس مجرد مذكرات تفاهم سياسية.
وهل يكون اجتماع طهران الرباعي اليوم هو إعلان غير رسمي عن انتهاء حقبة “الهيمنة القطبية الأحادية” في الشرق الأوسط؟ خاصة بعد أن أدركت القوى الإقليمية الكبرى أن الفواتير المفتوحة للحروب بالوكالة لم تعد محتملة، وأن تأمين مستقبلها يتطلب الجلوس على طاولة واحدة، لرسم حدود النفوذ وتأسيس “سلام بارد” ومستقر، يحمي أقاليم المنطقة من الارتدادات العنيفة للسياسات الغربية المتقلبة.
محمد السالك ولد إبراهيم،
خبير استشاري دولي،
انواكشوط، 26 أكتوبر 2026





