sliderالمبتدأ

موريتانيا وأزمة الخروج من تشابك أساليب الوصول إلى الحكم

 

منذ بزوغ الدولة الحديثة، يُعرف أن طرق الوصول إلى السلطة لا تخرج عن ثلاث: إما الانتخاب الشعبي، أو الاستيلاء بالقوة، أو التوريث. وفي حين أن كل مسار منها يفضي إلى الحكم، إلا أن أثره على الحاكم والشعب يختلف جذريًا.

فمن يصل إلى الحكم عبر فوهة البندقية، يتعامل مع البلد وكأنه أرض محتلة، فيعزف عن روح المواطنة، ويعتبر السلطة غنيمة حرب. أما من يرث الحكم، فينظر إلى الدولة كإقطاعية شخصية، والشعب كأملاك تورَّث، فيتصرف فيهم كما يتصرف في ماله. أما الذي يُنتخب من قِبل الشعب، فالمفترض أن يكون أقربهم إلى العدالة والاعتدال، لولا أن غواية السلطة ما تلبث أن تأسره، فيتحول إلى طاغية لا يختلف عن غيره، بل قد يفوقهم شراسة في قمع الحريات.

في الحالة الموريتانية، تعقّد المشهد أكثر. فالحكام الذين تعاقبوا على البلاد، منذ الاستقلال حتى اليوم، يصعب تصنيفهم ضمن قالب واحد من هذه القوالب الثلاثة، وإن كانوا أقرب إلى النموذجين الأولين: الحكم عبر دعم خارجي أو انقلاب عسكري.
أول رئيس للبلاد مثّل خيارًا للنخبة أكثر منه خيارًا شعبيا، حيث لم تكن أدوات التصويت مفهومة أو متاحة للعامة في بلد خرج توا من وصاية استعمارية. دعم المستعمر ذلك الخيار، لكنه ما لبث أن أطاح به عبر انقلاب قادته المؤسسة العسكرية، بإيعاز مباشر من فرنسا والمغرب.

منذ ذلك الحين، أصبحت الانقلابات هي القاعدة، وتَلبَّس العسكر ثوب السياسة، وخلعوا بزاتهم العسكرية ظاهريًا، ليقودوا صوريًا عمليات “انتخابية” محكومة بالتزوير والإكراه. تكرَّس نموذج “التناوب العسكري” عبر دسترة المأموريتين، بحيث يضمن كل ضابط يتولى الحكم فرصته في قيادة البلد، قبل أن يسلمها لضابط آخر من ذات الشبكة.

تحصن هؤلاء بحزام من أبناء الضباط والوزراء، وبنوا طبقة حاكمة متشابكة النسب والمصالح. وكل رئيس جديد يأتي محاطًا بأصهاره ومحسوبيه، الذين سرعان ما يندمجون في آليات الدولة العميقة، ويتبنون أساليبها ويعيدون إنتاج أزماتها. وهكذا، يُغلق الباب أمام أي أمل في قيام دولة مدنية حقيقية، ويظل الحلم محاصرًا بين جدران القبلية والجهوية، التي استُغلت كأدوات بيد التحالف العسكري-الرأسمالي لضمان ديمومته.

لقد أفرز هذا المسار فسادًا ممنهجًا، ونهبًا منظمًا، وأفرغ المؤسسات من مضمونها، فلم تعد أدوات حكم أو إصلاح، بل وسائل توزيع غنائم. ولعل التحدي الأكبر الذي تواجهه موريتانيا اليوم، لا يكمن في تغيير الوجوه، بل في تفكيك البنية التي تجعل من الوصول إلى الحكم نهايةً للتاريخ، لا بدايةً لمشروع وطني جامع.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى