دخلنا سنة جديدة، لكن ما الفرق بين الأربعاء الأول من السنة 2025 و الأربعاء الأخير من السنة 2024؟
لا يوجد فرق بين الأربعاءين، ففي كل منهما شرقت فيه الشمس و غربت، و لم نلحظ أي تبدل في انسجام الكون! الحقيقة أن هذا التقسيم و التجزيء للزمن هو عمل من ابتكارات الإنسان. في فجر التاريخ، انبهر الإنسان بتعاقب الليل و النهار و اختلاف النور و الظلام، و لم يستطع تفسيرا لهذا التعاقب الدقيق البديع، فأطلق على الجزء المضيء منه تسمية النهار و على الجزء المعتم اسم الليل ليتكيف مع نتائج اختلاف وجهي هذه القوة الغامضة! هذا في البداية قبل أن يكتمل وعي الإنسان و ينتقل عقله من مستوى الانبهار و التكيف إلى مستوى التطويع و التوظيف للظواهر الطبيعية و الكونية. لقد كانت أول عملية تطويع وظيفي للزمن مرتبطة بمواسم الزراعة و بناء على جمع المحاصيل لدى المصريين القدماء … ليتلاءم هذا التقسيم مع حاجة اقتصادية ذات قيمة عليا. و عرفت الحضارات الإنسانية القديمة الأخرى، كالحضارات المتعاقبة في وادي الرافدين، و الحضارة اليونانية و الرومانية و الفارسية و الصينيين القدماء هذه التقسيمات للزمن بناء على تسلسل في وحدات ذات صلة بنماذجها الاقتصادية و حاجاتها الثقافية و الدينية… حتى وصلت الإنسانية إلى ما يسمى بالتقاويم لحركة الزمن و شهدت اختلافا من حضارة إلى أخرى ، و جرى تعديلها و تحسينها و إعادة ضبطها على مستوى كل حضارة قبل أن تستقر ، أخيرا، على ما يعرف اليوم بالتقويم الغريغوري ، و هو ما يستخدم الآن على أوسع نطاق. و إذا كان الإنسان البدائي ينظر إلى الزمن كظاهرة غامضة ، فإن الإنسان العاقل يعتبر الزمن سلطة و بعدا كونيا اضطر لتقسيمه إلى وحدات أكثر تحديدا و ضبطا كالثواني و الدقائق و الساعات و الأيام و الأسابيع و الأشهر و السنوات و العقود و القرون … و الحقب.
ذلك أن الزمن قد انتقل من تعريفه بحركة الأجرام في السماء و سيلان الأجسام في فراغات الأرض إلى مفهوم التاريخ، أي إلى الإنجاز في الزمن و تقسيم الجهد على هذا الزمن؛ بحيث أصبحت كل أصغر وحدة زمنية ( الثانية في عصرنا) تتميز عن الثانية التي قبلها و الثانية التي بعدها بنوعية و حجم و سرعة المنجز فيها و الهدف المنشود منه! فهذا هو البعد الوظيفي للزمن الذي حوله إلى سلطة من جهة، و تاريخ من جهة ثانية. فلولا هذا التقسيم الوظيفي، لما ضبطنا مواعيدنا مع الأشخاص،و تسمية الغايات و الأهداف في المواعيد، و لما حددنا زمن هذا المنجز عن ذلك المنجز في يوم كذا أو يوم كذا، مع أنه لا يوجد شيء يميز الإثنين عن الثلاثاء، … و لا السبت عن الأحد إلا ما يقوم به الإنسان من أنشطة و منجزات و أشغال … و مواعيد، و أقوال و حروب و اتفاقيات سلام!
هذا هو ما يميز زمننا عن زمن أصحاب القبور، أي أن زمننا تاريخ، و زمنهم سيولة و تدفق دائم، لا تفصيل فيه، و لا نهار و لا ليل، و لا نشاط و لا خمول و لا كسب و لا خسارة ، و لا تذكر و لا نسيان… و لا حركة تقدم و لا حركة تأخر … و لا حيوية و لا عطالة! و على غرار زمن الأموات كان مفهوم الزمن هكذا لدى الإنسان قبل الوعي و العقل، على الأقل كما يراه غير المؤمنين بالله و برسله. و تلك عبرة أخرى…
كل أيامنا و أيامكم أفراح و مسرات و أشغال و منجزات…





