
يشهد التعاون التجاري بين الجزائر وموريتانيا نقلة نوعية تُجسّد إرادة سياسية حقيقية لقيادتي البلدين في بناء شراكة اقتصادية مستدامة، تمتد جذورها إلى عمق القارة الإفريقية. فخلال فعاليات المعرض التجاري البيني الإفريقي الذي تحتضنه الجزائر في الفترة من 4 إلى 10 سبتمبر 2025، التأمت وزيرة التجارة والسياحة الموريتانية، زينب أحمدناه، بنظيرها الجزائري، وزير التجارة الخارجية وترقية الصادرات كمال رزيق، حيث تباحث الطرفان سبل تطوير العلاقات التجارية وتعزيز المبادلات البينية في مختلف القطاعات.
وقد أكد اللقاء، الذي حضره عدد من المسؤولين رفيعي المستوى من البلدين، من بينهم مدير الدراسات والبرمجة والتعاون بوزارة التجارة والسياحة الموريتانية، كيسي جالل، ومدير ترقية التجارة الخارجية محمد الأمين ولد الفايده، على ضرورة تفعيل أدوات التعاون الثنائي، والاستفادة من الديناميكية التي تعرفها المنطقة، لا سيما في ظل المشاريع الإقليمية الكبرى، وعلى رأسها المعبر الحدودي “مصطفى بن بولعيد”.
المعبر، الذي دُشّن رسميًا في 2018 وأعيد تفعيله بقوة في فبراير 2024، أصبح اليوم شريانًا اقتصاديًا استراتيجيًا يربط الجزائر بموريتانيا ويفتح أمامها الأبواب نحو دول غرب إفريقيا. ولم تكن الأرقام الأخيرة إلا دليلًا واضحًا على حيوية هذا المنفذ الحدودي، حيث سجّل نموًا بنسبة 82٪ في المبادلات التجارية خلال عام واحد، مع تنفيذ أكثر من 500 عملية تصدير منذ مطلع 2025، شملت مواد غذائية، أجهزة كهرومنزلية، خضرًا وفواكه، ومواد بناء، في مقابل استيراد كميات معتبرة من السمك الموريتاني الطازج، الذي بلغ 155 طنًا خلال نفس الفترة.
مدينة تندوف الجزائرية، التي كانت إلى وقت قريب ولاية حدودية ذات طابع محدود، تحولت اليوم إلى قاعدة انطلاق حقيقية نحو الأسواق الإفريقية. فقد شهدت المنطقة انتعاشًا اقتصاديًا ملحوظًا بفضل البنى التحتية الجديدة، من بينها منطقة التجارة الحرة التي تمتد على مساحة 200 هكتار، وتضم فضاءات عرض وخدمات لوجستية متطورة، ما جعلها نقطة جذب للمتعاملين الاقتصاديين من داخل وخارج الجزائر.
وخلال زيارة وزير النقل إلى الولاية، تم التأكيد على أن المعبر الحدودي مصطفى بن بولعيد سيشهد تحسينات على مستوى التسيير والخدمات، من شأنها تسهيل العمليات الاقتصادية، وتعزيز أداء الصادرات الجزائرية، التي أصبحت تمثل حوالي 98٪ من نشاط هذا المنفذ الحدودي، حسب ما كشفه مدير التجارة بالولاية، السيد قاضي كريم.
المعرض الإفريقي للتجارة البينية، الذي تحتضنه الجزائر هذا العام تحت شعار “جسر نحو فرص جديدة”، لم يكن مجرد تظاهرة اقتصادية، بل شكّل منصة فعلية لتقريب وجهات النظر، وفتح الآفاق أمام شراكات حقيقية بين الفاعلين الاقتصاديين، من القطاعين العام والخاص. ومثّلت المشاركة الموريتانية، من خلال وكالة ترقية الاستثمارات، فرصة للتعريف بمناخ الاستثمار في البلاد، والإصلاحات التشريعية التي تهدف إلى خلق بيئة أعمال تنافسية، وجذب رؤوس الأموال، خاصة في قطاعات التجارة والصناعة والخدمات.
التقارب الجزائري الموريتاني لم يعد حبيس التصريحات الرسمية، بل بات يُترجم ميدانيًا بحركة تجارية نشطة، تجاوزت ألفي شاحنة منذ تدشين المعبر، ونمو متواصل في عدد العمليات التصديرية، التي تضاعفت مرات عديدة منذ عام 2018، حيث قفزت من 140 عملية فقط في 2020 إلى نحو 970 عملية في 2024، و500 عملية في النصف الأول من 2025.
الجمارك الجزائرية كان لها دور محوري في دعم هذه الديناميكية، من خلال تسهيل الإجراءات، وتقديم خدمات مرافقة للمتعاملين الاقتصاديين، في إطار استراتيجية شاملة ترمي إلى تطوير التبادل التجاري، وتحسين مناخ الاستثمار، ورفع تنافسية المؤسسات الوطنية. كما تم تسجيل اهتمام متزايد من قبل الغرف التجارية والصناعية، حيث أشار رئيس غرفة التجارة والصناعة بتندوف، أبيري محمد نوح، إلى استعداد الغرفة لمرافقة المستثمرين، وتقديم كافة التسهيلات لهم، مشددًا على أهمية تعزيز التعاون الثلاثي مع دول مثل نيجيريا، التي أبدت رغبتها في تطوير شراكات تجارية مع الجزائر عبر هذا المعبر.
وبينما تمضي الجزائر في تنفيذ رؤية رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، القائمة على تنويع الاقتصاد الوطني والانفتاح على إفريقيا، تبرز موريتانيا كشريك استراتيجي موثوق، يربط الجزائر بالعمق الإفريقي، ويفتح آفاقًا واعدة للتجارة والاستثمار في فضاء اقتصادي كان، حتى وقت قريب، يعاني من ضعف البنى التحتية وصعوبة الربط البري.
في السياق ذاته، تبدو مشاركة البلدين في المعرض الإفريقي خطوة إضافية على طريق التكامل القاري، لا سيما وأن التبادل التجاري يُعد اليوم أحد أبرز أدوات القوة الناعمة للدول، والوسيلة الأكثر فاعلية لتعزيز العلاقات السياسية والثقافية بين الشعوب.
لقد أظهرت التجربة الجزائرية الموريتانية أن التكامل الإفريقي ليس حلمًا بعيد المنال، بل مشروع قابل للتحقق متى توفرت الإرادة السياسية، والرؤية الاقتصادية، والاستثمار في البنية التحتية. ومن تندوف إلى نواكشوط، ومن شاحنات تحمل السمك إلى أخرى تنقل الخضار ومواد البناء، تتشكل ملامح طريق تجاري جديد… طريق لا يحمل فقط السلع، بل أيضًا أملًا بمستقبل اقتصادي أكثر ترابطًا وعدالة في القارة السمراء.
محمد الحبيب هويدي – مراسل الحرية من المعرب



