sliderالمبتدأ

شهادة للتاريخ/ التراد ولد سيدي

إن ما أعرفه عن التاريخ السياسي الموريتاني، ودور البعثيين في انقلاب 10 يوليو ضد المختار بن داداه، رحمه الله، ودورهم في 16 مارس 1981 ضد محاولة محمد سالم ولد سيدي ومحمد ولد عبد القادر، غفر الله لهما، يختلف كثيراً عما يُتداول هذه الأيام!!!

إن تاريخاً قريباً يتشوّه بهذا القدر من التشويه، وتُدخل عليه هذه الكمية الكبيرة من العناصر غير الصحيحة، ومن التغيير والتبديل، يعني أنه مع مرور الوقت سيزداد تغيّره وتشوّهه حتى لا يبقى من حقيقته شيء!!!

إن انقلاب 10 يوليو جرى وأنا ما زلت أمين سر منظمة حزب البعث في موريتانيا. ولقد بعثت القيادة القومية إلينا وفداً التقيته شخصياً في دكار لمناقشة الأمور، وكان الوفد برئاسة بدر الدين مدثر، رحمه الله، عضو القيادة القومية وأمين سر القيادة القطرية في السودان، ويرافقه أبو فاروق، أمين مكتب المغرب العربي. وعقدنا أطول اجتماع عرفته في حياتي، حيث واصلنا العمل لما يقرب من 24 ساعة، لم نتوقف إلا لغرض إنساني أو للشرب أو للصلاة!!!

ولقد تفاجأت بأن الوفد يعتبرنا مشتركين في الانقلاب، ولم أستطع نزع هذه الفكرة من رؤوسهم، رغم ما أوضحت من شرح لمستوانا وعدم قدرتنا على الأدوار التي يفكر فيها الرفاق في بغداد. ولم تكن هناك في ذلك الوقت مصادر يتلقون منها الرأي حول الوضع إلا مني ومن الرفيق محمد يحظيه، الذي كنت معه نشكّل ثنائياً يلخّص أكثر أعمال قيادة الحزب آنذاك. وعند رجوعي من الاجتماع مع القيادة، درست مع محمد يحظيه الانطباعات التي لدى القيادة عن دورنا في الانقلاب، واتفقنا على أنه قد يكون ذلك ناتجاً عن علاقات السفير العراقي عالي الربيعي، الذي كان نشيطاً وواسع العلاقات، إلا معنا كحزب، فعلاقاته معنا كانت ضعيفة، ولم نكن لنقول له إننا مشتركون في تحرك 10 يوليو.

وإن أكبر ضباطنا رتبةً آنذاك هو محمد سعيد ولد الحسين، رحمه الله. ولم يكن عبد القادر خاضعاً للتنظيم، لأنه رغم بعثيته ووضوحه وصراحته، لم نستطع تنظيمه، لأنه لم يتفهم أن يكون لدينا تنظيم لا يعلمه. وقد استمر خارج التنظيم حتى اعتُقلتُ أنا في 12 أغسطس 1981، ولا أعلم بعد ذلك هل انضم إلى التنظيم أم بقي على وضعه، لأنني بعد الاعتقال المذكور توقفت علاقتي بالتنظيم العسكري. وكان هناك ضباط صغار لم يُنظَّموا بعد. أما جدّ بن السالك، رحمه الله، فكان صديقاً لبعض الجماعة وعنصراً أساسياً في تنظيم الضباط المخططين للانقلاب، ولم ينتمِ لحزب البعث أبداً حتى توفاه الله، لكننا كنا نكنّ له الاحترام ونعتبره من أقرب الناس إلينا، وليس أكثر من ذلك. وأما المختار وباب، ابنا السالك، فقد انتسبا للحزب في مرحلة متأخرة كثيراً عن وفاة جدهما، وظل المختار في مقدمة العسكريين البعثيين، وتعرّض هو ومحمد سعيد وعبد القادر للإقالة من الجيش في عهد ولد هيدالة.

وأما ما يتعلق بدور البعثيين في إفشال، أو المشاركة في إفشال، كوماندوز أحمد سالم ولد سيدي ومحمد ولد عبد القادر، وأنّيق وجماعتهم، فإننا لم نكن نستهدفهم، وإنما لعبت الصدفة الدور الذي تهيأ للجماعة. وكانت وقتها متواجدة بشكل واسع في الجيش والحرس والدرك. وكنت وقتها صاحب العلاقة بالجيش، وفي الساعة التاسعة تقريباً، جاءني وأنا في داري بالسبخة ممد ولد أحمد، أطال الله عمره، وقال لي: “ماذا عندكم من الأخبار؟ لقد اتصل بي محمد يحظيه ولد ابريد الليل يقول لي: ممد، هناك إطلاق رصاص في الرئاسة، وقد سقط قتلى”. فقلت له: أنا الآن بلا سيارة، ولم يتصل بي أحد من العسكريين. قال: خذ سيارتي بعد أن أوصلك إلى المكاتب وتتصرف. وكان ذلك الوقت لا وجود للهواتف إلا في المكاتب أو المساكن. فمررت مع ممد على مكتبه، وذهبت بالسيارة إلى محمد سعيد، رحمه الله، ومررنا بالحرس، ورأيت المختار وجماعة معه، منهم محمد الشيخ ولد انشمو. ومررنا بالإذاعة ساعة دخول أحمد سالم ولد سيدي عليها، وعلمنا عند مرورنا بالإذاعة باستشهاد رفيقنا الشجاع الأديب الأريب أند حب ولد سيدي، وإصابة القطب، وكان صديقاً، ويعقوب، أحد عناصرنا. وذهبت بمحمد سعيد، والتقينا بقوات يقودها الشيخ ولد الدد تحاصر القيادة العامة للجيش. وحاولنا الاتصال بالشيخ ولد الشواف، وأرسلنا له عنصراً من وحدات الرئاسة. وأوصلت محمد سعيد إلى قواته قرب بيل، ورجعت إلى الدار. إننا في هذا الوقت لم نكن نفكر بأخذ السلطة، وفاجأتنا الأمور دون تخطيط.

إذن لم نكن مشتركين في 10 يوليو، ولم نكن خصوماً للكوماندوز، وإنما جرت الأحداث بالطريقة التي جرت بها. ولم نفكر مجرد تفكير في الاستيلاء على السلطة إلا بعد ذلك، عندما ظهر أننا وهيدالة لا نتفق في الموقف من البوليساريو. كنا نحن وهيدالة نلتقي في دعم البوليساريو، ولم نبقَ نقف معه في الموقف. وقد بدأ يشعر، رغم ما اتخذه هو وأصحابه من احتياطات، أننا نشكل خطراً عليه، وساعتها بدأنا ندرس إمكانية التحرك، ولم نتفق على فورية التحرك، بل قررنا تهيئة نفوسنا وإنضاج الظروف التكوينية والتنظيمية والتعبوية، وإعداد أنفسنا. لكن تحرك ولد هيدالة كان أسرع وأدق، قبل أن يُكمل معاوية مهمة بدأ بمشاركته في مراحل سابقة.

وهناك أمور أهم وأخطر كنت أحب أن يتناولها الرفيق محمد يحظيه بن ابريد الليل، لأنه هو الذي يعرفها وكان جزءاً منها. لكنه، وعندما يثبت أنه لم يكن قد تناولها في المذكرات التي لا نزال نبحث عنها ونتوقع وجودها، فإن تناولها يكون بمثابة دين علينا. لأن عدم تناولها يشكل نقصاً وتقصيراً في إضاءة بعض النواحي التي يشكل استمرار غموضها وعدم معرفة بعض الأساسيات فيها فتحاً للباب واسعاً للتسميم وأكسدة النفوس والعقول، وظلماً يجب ألا يقع على من أفنوا حياتهم في النضال القاسي وسخروا كل طاقاتهم من أجل الأهداف النبيلة الخالية من الرياء والأغراض والنزعات غير الشريفة.

ورغم عدم صحتي الشخصية، فإنني مختنق بحجم العبء الذي أتحمله في إيضاح أمور غير واضحة بما يكفي، لأن معرفة السبب دائماً تبطل العجب. والله ولي التوفيق.

التراد ولد سيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى