sliderالمبتدأ

جيوبولتيكيا الدم في الشرق الأوسط وتأثيرها الاقتصادي

محمد الأمين الحبيب

لم يكن القرار الأمريكي الإسرائيلي بمهاجمة إيران قرارًا سياسيًا بحتًا؛ حيث كانت نتائجه الاقتصادية كبيرة، بل شكّل نقطة تحول حادة في توازن الاقتصاد العالمي في منطقة تُعتبر شريان العالم لاستقرار تدفقات الطاقة. جاء إغلاق مضيق هرمز—الذي يمر عبره ما يصل إلى ربع تجارة النفط العالمية—ليُحدث صدمة فورية مست جميع الأسواق، وزاد موجة من عدم اليقين المستمرة من الحرب بين سلة الخبز وبرميل النفط.

حيث توفر روسيا وأوكرانيا معًا 19% من إمدادات الشعير، و14% من القمح، و4% من الذرة، وتشكلان أكثر من ثلث صادرات الحبوب العالمية، بينما تُعتبر روسيا ضمن أكبر ثلاثة منتجين للنفط في العالم. وكذلك الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على العالم.

1. التأثير العالمي للحرب
أ. صدمة الطاقة المهولة: القلب النابض للأزمة

تُعتبر الطاقة القناة الرئيسية التي تنتقل من خلالها الصدمة من ساحة المعركة إلى الاقتصاد العالمي.

تعطل شريان النفط الرئيسي (مضيق هرمز):
أدت العمليات العسكرية والتهديدات الإيرانية إلى تعطيل حركة المرور بشكل شبه كامل في مضيق هرمز، وهو الممر المائي الذي يمر عبره حوالي 20% من إنتاج النفط العالمي و20–25% من تجارة الغاز الطبيعي المسال. ووفقًا لوكالة الطاقة الدولية، تسبب هذا في “أكبر اضطراب في إمدادات النفط في تاريخ السوق العالمية”.

ارتفاع جنوني في الأسعار:
كنتيجة مباشرة، قفزت أسعار النفط (خام برنت) من حوالي 72 دولارًا للبرميل قبل الحرب في 27 فبراير إلى أكثر من 103–110 دولارات للبرميل في منتصف مارس، بزيادة تتجاوز 40%. كما قفزت أسعار الغاز الطبيعي المسال في آسيا بنسبة 60%.

شلل الإنتاج والتصدير:
اضطرت دول الخليج لخفض الإنتاج بما لا يقل عن 10 ملايين برميل يوميًا مع امتلاء مخزوناتها. كما علّقت كبرى الشركات مثل “قطر للطاقة” إنتاجها جزئيًا، مما زاد الضغط على الأسواق العالمية.

2. انهيار سلاسل التوريد العالمية: ما وراء النفط

الأزمة لم تقتصر على الطاقة، بل أعادت إحياء كوابيس سلاسل التوريد التي شهدناها خلال الجائحة، ولكن بديناميكيات جديدة.

شلل الشحن البحري:
علّقت كبرى شركات الشحن مثل “ميرسك” عملياتها في الخليج، مما أدى إلى تقطع السبل بحوالي 200 سفينة. السفن المضطرة لإعادة التوجيه حول رأس الرجاء الصالح تضيف 10–15 يومًا لرحلاتها، مما يزيد استهلاك الوقود والتكاليف.

ارتفاع تكاليف الشحن بشكل صاروخي:
قفزت تكلفة شحن حاوية من تركيا إلى الصين من 2000 دولار إلى 10000 دولار بسبب رسوم إضافية. كما تضاعفت تكلفة الشحن الجوي من آسيا إلى أوروبا.

أزمة في صناعات متعددة:
يمتد التأثير من تعطل صناعة الرقائق الإلكترونية (بسبب نقص الهيليوم من قطر) إلى ارتفاع أسعار الألمنيوم (بسبب تعطل شحنات البحرين وقطر).

3. التأثيرات المالية والاقتصادية الكلية: عودة شبح الركود التضخمي

تضع الصدمة الحالية صناع السياسات النقدية في مأزق صعب.

عودة التضخم وتهديد النمو:
حسب صندوق النقد الدولي، فإن أي زيادة مستدامة في أسعار النفط بنسبة 10% قد تضيف حوالي 0.4 نقطة مئوية للتضخم العالمي، وتخفض النمو بمقدار 0.1–0.2 نقطة مئوية. أما التقديرات الحالية فتشير إلى تأثير أكبر، حيث قد تخفض الحرب النمو العالمي بمقدار 0.3–0.4 نقطة مئوية، وتزيد التضخم بمقدار 60 نقطة أساس إذا استمرت أسعار النفط مرتفعة.

معضلة البنوك المركزية:
تواجه البنوك المركزية معضلة حقيقية: هل ترفع أسعار الفائدة لكبح التضخم المتجدد، أم تخفضها لدعم النمو المتباطئ؟ هذا القرار صعب بشكل خاص في أوروبا وآسيا.

انهيارات في أسواق الأسهم:
تكبدت البورصات العالمية خسائر فادحة؛ فمثلًا تراجع مؤشر نيكاي الياباني بنسبة 11%، ومؤشر تداول السعودي بنسبة 9.6%، ومؤشر ستوكس 600 الأوروبي بنسبة 6%.

2. التأثير الوطني للحرب

تُعتبر القارة الإفريقية الأكثر تأثرًا بهذه الحرب نتيجة لاعتماد دولها على استيراد الطاقة من الأسواق الدولية، مثل بلادنا؛ حيث وصل الدعم الذي تتحمله الخزينة الوطنية عن كل لتر مستخدم إلى 200 أوقية قديمة، مع ارتفاع سعر البرميل من 70 دولارًا إلى 107 دولارات، وسعر المازوت الذي وصل إلى 1156 دولارًا للطن، مما يشكل ضغطًا متزايدًا على التوازنات المالية العامة ويخفض نسب النمو رغم المعطيات المشجعة قبل الحرب.

يقول جورج كليمنصو، رئيس وزراء فرنسا:
“الحرب لا تُحدد من لا يموت، بل من يرث.”

فبلادنا، كمورد للمواد الأولية الاستخراجية من حديد وذهب وغاز، ومع موقعها الاستراتيجي القريب من الأسواق الأوروبية، ومع العقوبات على الغاز الروسي، سيكون من الأهمية بمكان اتخاذ الإجراءات التالية:

1. بناء الصمود

تنويع مصادر الطاقة

التركيز على المصادر النظيفة (الشمس والرياح)

تطوير التخزين

تخصيص نسبة سنوية من الميزانية لهذا التحول

تقديم حوافز ضريبية للشركات الدولية لتخفيف الاعتماد على النفط العالمي

حقل بير الله (بيضة القبان)

بوصفه ركيزة أساسية في التنمية الاقتصادية، ليس لبلادنا وحدها وإنما لدول غرب أفريقيا بالكامل، إلا أنه حتى الآن لم يشهد أي عمليات تطوير.

وبحسب بيانات منصة الطاقة المتخصصة (واشنطن)، فإن هذا الحقل الغازي العملاق جعل موريتانيا تبرز كأحد اللاعبين الرئيسيين في قطاع الغاز العالمي، خاصة مع اكتشاف عدد من الحقول الضخمة على سواحلها.

يُعد حقل بير الله من أهم وأكبر الاكتشافات الهيدروكربونية في البلاد، حيث تُقدّر احتياطياته بنحو 80 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، مما يجعله من أكبر الحقول في المنطقة وغرب أفريقيا عمومًا.

لذلك، من الضروري تسريع عملية التعاقد والاستغلال خلال هذه الفترة التاريخية، لضمان فرض شروطنا والاستفادة من عامل الوقت والقرب الجغرافي.

رأس المال المذعور

تعود المقولة إلى الاقتصادي الفرنسي جان بابتيست صاي (1767–1832)، وهي تصف سلوك المستثمرين الذين يتجنبون الدول ذات المخاطر السياسية أو الاقتصادية.

رأس المال “جبان” لأنه يتفاعل مع الاستقرار السياسي والأمن والعوائد الجذابة، ويغادر بسرعة عند أول إشارة اضطراب.

ومع موقع بلادنا المطل على المحيط الأطلسي، وقربها من مراكز النقل البحري، وكونها بوابة لأسواق غرب أفريقيا الواعدة، فإنها تمثل وجهة محتملة لرؤوس الأموال، مما يتطلب تقديم تحفيزات قوية على مستوى القوانين والتشريعات والبنية التحتية الحديثة.

الخلاصة

الحرب على إيران ليست مجرد نزاع إقليمي، بل زلزال اقتصادي شامل يعيد تشكيل خريطة الطاقة والتجارة والتحالفات العالمية. إنها تذكر العالم بهشاشة العولمة، ليس فقط بسبب الأوبئة، ولكن أيضًا بسبب القرارات السياسية والعسكرية.

ويقول بنجامين فرانكلين:
“الحرب تبدأ بالكذب وتنتهي بالديون.”

محمد الأمين الحبيب

———————————

خبير محاسبة
عضو جمعية المحاسبين القانونيين في المملكة المتحدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى