
الحرية نت ـ العيون: يناقش مجلس الأمن الدولي مشروع قرار جديد بشأن النزاع في الصحراء الغربية، يُرجّح أن يثير نقاشًا واسعًا داخل أروقة الأمم المتحدة وبين الأطراف المعنية بالملف، وذلك لما يتضمنه من توجه واضح نحو اعتبار مقترح الحكم الذاتي الذي قدمته المملكة المغربية “الأساس الوحيد للمفاوضات والحل الأكثر واقعية” للنزاع الذي دام لأكثر من خمسة عقود.
إعادة تأكيد على المرجعيات… وتحول في المضمون
في الوقت الذي يستحضر مشروع القرار المرجعيات السابقة للمجلس بشأن الصحراء الغربية، ويؤكد على أهمية التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الطرفين، فإنه يقدم تحولًا لافتًا في نبرة الخطاب الأممي، من خلال التركيز على مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب سنة 2007، واعتباره «الإطار الوحيد للتفاوض» و«الحل الأكثر جدوى».
وينص المشروع على أن مجلس الأمن “يحيط علمًا بالدعم الذي عبّرت عنه الدول الأعضاء لمقترح الحكم الذاتي المغربي، الجاد والموثوق والواقعي”، ويصفه بـ”الأساس الأكثر مصداقية لحل عادل ودائم للنزاع”. كما يرحب بـ”قيادة الولايات المتحدة، لا سيما إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، في دعم هذا التوجه”.
ويحظى المشروع بدعم الولايات المتحدة، التي ورد في نص القرار إشادة باستعدادها لاستضافة مفاوضات مباشرة بين الأطراف، في إطار دعم جهود المبعوث الشخصي للأمين العام، ستافان دي ميستورا، الذي يسعى إلى تحريك المسار السياسي المتوقف منذ جولات جنيف السابقة.
مقترح الحكم الذاتي: رؤية مغربية متجددة
تقدّم المغرب بمقترح الحكم الذاتي لأول مرة في أبريل/نيسان 2007، ويقترح من خلاله منح الأقاليم الصحراوية حُكمًا ذاتيًا موسعًا تحت السيادة المغربية، مع مؤسسات تنفيذية وتشريعية وقضائية محلية. وقد اعتبر المغرب هذا المقترح بمثابة “سقف التفاوض”، ورؤية نهائية للحل، في مقابل إصرار جبهة البوليساريو على تنظيم استفتاء لتقرير المصير، وهو الطرح الذي تعثر مرارًا بسبب خلافات حول من يحق لهم المشاركة في التصويت.
المشروع الجديد، حسب بعض الدبلوماسيين، يمنح دعما ضمنيا للرؤية المغربية، ويطرح مفهوما “موسعًا” لتقرير المصير، لا يعني الاستقلال بالضرورة، بل حكما ذاتيا ضمن سيادة الدولة الأم، وهو ما تعتبره الرباط توافقًا مع الشرعية الدولية والقرارات السابقة.
ردود فعل متوقعة: بين الترحيب والتحفظ
من المرتقب أن يثير مشروع القرار تباينًا في ردود الفعل داخل المجلس وخارجه. فمن جهة، يُتوقع أن ترحب به الرباط والدول التي سبق أن أعلنت دعمها لمقترح الحكم الذاتي، وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا والإمارات، باعتباره دعمًا صريحًا للرؤية المغربية.
في المقابل، من المرجح أن تتحفظ عليه أطراف أخرى، أبرزها الجزائر، التي تعتبر نفسها “طرفًا مراقبًا” ولكنها تدعم جبهة البوليساريو سياسياً ودبلوماسياً. كما قد تعارضه دول أعضاء في المجلس ترى في هذا التحول مسًّا بمبدأ “الحياد” في مسار التسوية الأممية.
تمديد ولاية المينورسو… وإمكانية التغيير
مشروع القرار يقترح كذلك تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) حتى نهاية يناير/كانون الثاني 2026، مع دعوة الأمين العام إلى تقديم تقرير شامل حول تقدم العملية السياسية في غضون ستة أسابيع من تاريخ التمديد، وإمكانية تقديم توصيات بشأن “تحويل أو إنهاء” عمل البعثة بناءً على نتائج المفاوضات.
هذا التوجه يعكس نقاشًا ضمنيًا حول دور البعثة، التي تأسست في 1991 من أجل تنظيم استفتاء تقرير المصير، وهو الهدف الذي لم يتحقق، مما جعل بعض الأطراف تطالب بإعادة النظر في مهامها وجدواها.
إشارات للمرحلة المقبلة
المشروع يُشكّل ـ بحسب مراقبين ـ خطوة سياسية تحمل دلالات قوية بشأن توجه مجلس الأمن، وربما المجتمع الدولي، نحو مقاربة أكثر واقعية في التعاطي مع هذا النزاع الطويل الأمد، عبر دعم خيارات توافقية وواقعية، بدلاً من التمسك بأطروحات لم تعد تحظى بإجماع داخل المجلس.
ومع ذلك، تبقى موافقة المجلس بأعضائه الخمسة عشر غير مضمونة، في ظل تعقيدات توازنات القوى والمصالح الجيوسياسية المرتبطة بالملف، ما يجعل النقاش داخل المجلس في الأيام المقبلة محوريًا، ليس فقط لمصير القرار، بل أيضًا لتحديد ملامح المرحلة المقبلة في مسار تسوية قضية الصحراء الغربية.
مشروع القرار المطروح أمام مجلس الأمن يشير إلى تحول لافت في مقاربة المجتمع الدولي للنزاع في الصحراء الغربية، من خلال الدفع بمقترح الحكم الذاتي كحل واقعي وعملي. وبينما ترحب بعض الأطراف بهذه المقاربة الجديدة، ترى فيها أخرى انحيازًا لطرف دون آخر. ويبقى مستقبل القرار رهينًا بتوافقات الدول الكبرى داخل مجلس الأمن، ومآلات المفاوضات التي لم تفضِ بعد إلى حل نهائي منذ أكثر من نصف قرن.
محمد الحبيب هويدي – مراسل وكالة الحرية نت من المملكة المغربية






