sliderالمبتدأ

الدولة الممكنة والدولة المتخيلة

د.محمدعالي الهاشمي

في مقاربة هذا الموضوع، من الضروري الانطلاق من توصيف علمي رصين يضع كل ظاهرة في سياقها الديموغرافي والتاريخي والمؤسسي، بعيدًا عن التبسيط أو الخلط التحليلي.

فيما يخص ما يُعرف بحركة «أفلام»، فمن حيث النشأة يمكن توصيفها كحركة ذات طابع احتجاجي تطوّر لاحقًا نحو خطاب ذي نزعة انفصالية، يستند أساسًا إلى مرجعية إثنية محددة، هي مجموعة «التكارير». هذه المجموعة، وفق التقديرات المتداولة، لا تتجاوز نسبة 2% من إجمالي سكان موريتانيا، وهو معطى ديموغرافي بالغ الأهمية عند تقييم أي ادعاء تمثيلي أو مشروع سياسي ذي طابع سيادي.

تاريخيًا، حظيت هذه الفئة بحضور معتبر داخل دواليب الدولة، سواء في الوظيفة العمومية أو داخل المؤسسة العسكرية، ما يعكس درجة من الاندماج المؤسسي في مرحلة معينة. غير أن التحولات التي شهدها المجتمع الموريتاني—خصوصًا مع اتساع قاعدة التعليم، ودخول مكونات اجتماعية أوسع إلى سوق العمل ومؤسسات الدولة—أدت إلى إعادة توزيع نسبي لمواقع النفوذ. هذا التحول فُسِّر من قبل بعض الفاعلين داخل هذه المجموعة باعتباره تراجعًا أو «إقصاءً»، رغم كونه في التحليل الموضوعي نتيجة طبيعية لعملية توسيع المشاركة الاجتماعية.

في هذا السياق، برز تنظيم يحمل مطالب محددة، قبل أن يتبنى تدريجيًا شعارات ذات سقف أعلى، من بينها الدعوة إلى انفصال إقليم الضفة وما جاوره عن الدولة الموريتانية. ومع ذلك، تجدر الإشارة—من باب الإنصاف التحليلي—إلى أن هذا التيار، رغم تبنيه العمل المسلح في مراحل معينة وتحركه في الفضاء الخارجي (المنفى)، لم يؤسس لخطاب كراهية مجتمعي واسع، ولم ينخرط في تقويض البنية الاجتماعية عبر التشكيك في التاريخ المشترك أو تصنيف المكونات الأخرى على أسس عنصرية صلبة. وقد يُعزى جزء من ذلك إلى محدودية قنواته الداخلية آنذاك، نتيجة إغلاق الفضاءات السياسية والإعلامية أمامه.

لكن، عند الانتقال إلى مستوى التحليل السياسي المقارن، تظهر إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المشروع ذاته. ففي النقاش العام، تتكرر محاولات وضع كيانات سياسية متباينة جذريًا في سلّة واحدة، وكأنها تعبيرات متكافئة عن «حق تقرير المصير». هذه المقاربة، في ميزان علم السياسة، تمثل مغالطة تحليلية، لأنها تتجاهل الفوارق البنيوية بين الحالات.

إذا بدأنا بحركة «أفلام»، فإن خطابها يعاني من ازدواجية واضحة في تعريف الذات السياسية: فهي تتأرجح بين المطالبة بحقوق مدنية ضمن إطار الدولة، وبين تبني خطاب انفصالي يتجاوز هذا الإطار، دون حسم نظري أو عملي لموقعها. هذا التذبذب يعكس غياب مشروع سيادي مكتمل الأركان، ويضعف من مصداقيتها كفاعل يسعى لتأسيس كيان مستقل.

الأهم من ذلك، أن هذا التيار لم ينجح في إنتاج إجماع وطني عابر للمكونات، ولم يقدّم نموذجًا مؤسساتيًا واضحًا، ولا تصورًا ترابيًا محددًا وقابلًا للحياة. وفي الأدبيات الأكاديمية لعلم السياسة، تُعد هذه العناصر—التمثيل الواسع، القدرة المؤسسية، والوضوح الجغرافي—شروطًا دنيا لأي مشروع انفصالي قابل للاعتبار. وعندما تغيب هذه المرتكزات، يتحول الخطاب من مشروع دولة إلى مجرد أداة ضغط تفاوضي داخل بنية الدولة القائمة.

بصياغة أخرى نحن أمام حالة تضخيم سياسي لملف داخلي، تُستخدم فيها مفردات كبرى لا تعكس واقع القدرة ولا حدود الامتداد، وهو ما يجعل تصنيفها ضمن حركات «تقرير المصير» أقرب إلى المناورة الخطابية منه إلى التوصيف العلمي الدقيق.

في المقابل، تمثل أزواد حالة مختلفة من حيث العمق التاريخي والسياق الجيوسياسي. فالمجال الأزوادي ليس نتاج لحظة ظرفية، بل فضاء تشكّل عبر قرون، وله خصوصياته الاجتماعية وأنماط حكمه التقليدية. كما أن النزاع هناك اتخذ طابعًا مسلحًا ممتدًا، وتداخلت فيه عوامل التهميش والتمثيل والهوية. ورغم التحديات التي تواجه مشروع الدولة الأزوادية—خصوصًا ضعف الاعتراف الدولي وتعدد الفاعلين—فإن أساس المطالبة يستند إلى سردية تاريخية وهوية إقليمية أكثر تماسكًا وجغرافيا واضحة.

أما حالة جبهة البوليساريو، فهي الأكثر وضوحًا من زاوية الشرعية القانونية الدولية، حيث تندرج ضمن مسار تصفية الاستعمار، ويُصنّف الإقليم أمميًا كإقليم «غير متمتع بالحكم الذاتي». هذا الإطار يمنح مطلب تقرير المصير سندًا قانونيًا صريحًا، ويضعه ضمن قواعد معترف بها في القانون الدولي، وليس مجرد طرح سياسي. كما أن الجبهة تمتلك بنية تنظيمية، وحضورًا دبلوماسيًا، واعترافًا من عدد من الدول والمنظمات الدولية، ما يعزز موقعها كفاعل ذي طابع مؤسساتي.

ختاما المقارنة بين هذه الحالات ليست فقط غير متوازنة، بل مضلِّلة من الناحية المنهجية. فهناك فرق جوهري بين:

* حراك محدود الامتداد، يفتقر إلى الإجماع والوضوح المؤسسي، ويظل عمليًا داخل سقف الدولة؛
* وحركات تستند—بدرجات متفاوتة—إلى عمق تاريخي، وامتداد جغرافي، أو سند قانوني دولي.

وعليه، فإن وضع حركة «أفلام» في مستوى واحد مع أزواد أو مع جبهة البوليساريو لا يرقى إلى تحليل علمي، بل يندرج ضمن توظيف سياسي للغة المقارنة.

في السياسة، لا تُبنى الشرعية على الشعارات، بل على أربعة أعمدة: التاريخ، التمثيل، القدرة، والاعتراف. ومن يفتقد هذه المرتكزات، مهما رفع سقف خطابه، يبقى ضمن معادلة الدولة، لا خارجها.

د.محمدعالي الهاشمي

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى