sliderالمبتدأ

من (الأسف) إلى (الندم)

الخبير القضائي الأستاذ : عبدو سيدي محمد

كانت آخر كلمة للرئيس الموريتاني الحالي (أسف) على وضعية مدينة نواذيبو العاصمة الإقتصادية حيث ماتت أحلام المواطنين بين خيال منطقة حرة و عطش و سراب مشاريع يظنه الظمآن ماء. فعلا الأسف ذو مدلول عميق و كانت ختام المأمورية الأولى (أسف) رغم تبجح الحكومة بصرف 150 مليار اوقية قديمة مساعدة و دعم لمدينة نواذيبو الغارقة في مصانع (موكا) و شركات النهب الأجنبية و فعلا كما يقول المثل الشعبي(موكا آخر أطيور). و قياسا على فترة المأمورية الأولى فبدون شك سيكون ختام المأمورية الثانية(ندم). لم يحالف الرئيس الموريتاني الحالي الحظ في اختيار حكومة(نافعة) و طواقم تسييرية (فيها الفايدة) بل كانت حكومات فاشلة و لا تعكس برنامج فخامة الرئيس كما يدعي المتحزبون و الشعبويون و الراكضون نحو (الرمادي) و الباذلون و المبذول لهم.
لا شيء على أرض الواقع رغم كثرة الأسفار و التدشينات و (لعياط). الإعلام البديل  و المدونون هم أصحاب الرأي  و المشورة و رسل لإيصال صوت المهمشين و رفع المظالم إلى ولي الأمر للحل و الربط.
المتابع للتصريحات الحكومية يعتقد أن الدولة تتم إدارتها عن بعد بواسطة(ريموت كونترول). بداية متعثرة و شعار لبرنامج غير قابل للتنفيذ. محاربة الفساد تذكرنا ب (مشوي) المأمورية الأولى كلاهما لا يرى بالعين المجردة على رأي الوزير السابق الأول حاليا.
نسمع برنامج رئاسي طموح و لكن لا زالت دار لقمان على حالها بل زادت تدهورا و خرابا. في مناسبات عديدة يتحدث فخامة الرئيس عن معاناة و صعوبات حياة المواطنين و يسرد التفاصيل الدقيقة لتلك المشاكل دون إقتراح حلول أو بدائل أو إصدار مراسيم تخفف وطأة معاناة المواطن.
العناوين الرئيسية للصور الملونة المعالجة تقنيا و فوتوشوبيا تعطي صورة مزخرفة لمتابعي القنوات الوطنية و لعدد المشاهدين المتواضع جدا (بالمفهوم الدبلوماسي).
تراكمات فشل حكومي مثل أكوام القمامة المترامية في قلب و شوارع العاصمة الذكية  المعصرنة ب 50 مليار اوقية. تصريحات رسمية متناقضة و خرجات حكومية و شطحات تظهر مدى تحكم الارتجالية و العشوائية في القرارات المصيرية. حالة (فقر) تهدد كيان (جسم) الدولة و انخفاض غير مسبوق في معدل هيبة الدولة. جهل عام لأستغلال حرية التعبير و فوضى و شغب و ابتذال سحيق في مفهوم و مدلول المصطلحات. قانون الرموز مجرد (مبادرة) شخصية من ابن مفتي الإمارات للتقرب من الرئيس و لحاجة في نفس (ملحن) اغنية (شخبط شخابيط). و في انتظار اجتماع مجلس التعيينات العائلية اصبحت المؤسسة محطات انتظار (المسافرين) بين الوظائف و المكاتب حتى تحولت  الوزرات إلى حلبة صراع لفظي و جسدي و أحيانا ملاكمة و (كاتش) و ضربة قاضية لآخر اختراع موريتاني للايتيكيت و البروتوكول الدبلوماسي الراقي. ميزانيات ضخمة و بنود الرواتب و البدلات و الامتيازات تشكل البند الأضخم على الإطلاق. تفوق الميزانية السنوية تريليون اوقية أكثر من 70% منها جبايات و غرامات و ضرائب على كاهل و ظهر و بطن المواطن. في المقابل شركات امتياز أجنبية معفية من الضرائب و اتفاقيات لنهب الثروات البحرية و البرية هي عقود لشركات أجنبية مدعومة من ذوي الجاه و السلطة و مروجي حبوب هلوسة محاربة الفساد. تصريحات حكومية تفيد لا طائل اقتصادي يرجى من الغاز و لن يستفيد المواطن منه مهما كلف الثمن. في جهة آخر افتخار و اعتزاز بتصدير اول شحنة غاز التي ستعود بالخير الوفير على موريتانيا. وزير آخر يطلق رصاصة رحمة على أكثر من 1.5 مليون جائع مهددين بالانقراض بسبب (قوارض) المال العام و أبطال محاربة الفساد. إنجازات كبرى تمثلت في اطنان من التمور والارز و هبات يأبى عنها المتسولون فما بالك بدولة حباها الله بثروات لا تقدر بثمن.
مهاجرون غير شرعيين لهم اليد طولى في تحصيل و تحويل أموال ضخمة دون المرور بالدورة الاقتصادية و في غفوة و سبات البنك المركزي و احتكار مطلق لأباطرة السوق السوداء بعد إغراق الاوقية من طرف المركزي. أموال دفاعي الضرائب تصرف لرفاهية ببغاوات لا تحفظ سوى كلمات تحط من قيمة الوطن و تحتقر الشعب الذي يفترض انهم يمثلونه و حكومة على (الصامت) على رأي المثل الافريقي الشهير المتعلق بآداب المائدة.
المشكلة الكبرى ليست في الممر (الآمن) و تسليم السلطة فلا شك أن العشرية الحالية ليست افضل من العشرية الماضية مع فارق التوقيت و المواقف و بالتالي ملفات (العشرية) تؤول إلى نفس النتيجة رغم مرورها بطرق و متاهات (روما). و ليست الصعوبة في اختيار مترشح توافقي بعد سقوط ثلاثي كان يسعى لتنفيذ أجندة (الترشح) مستغلا (غفوة) مؤقتة. لكن من المؤكد أن (المرشحين) من بينهم شخصية فريدة لا منافس لها من حيث القبول و الشعبية و (الوطنية) و بالتالي لابد من دور (كومبارس) حسب اللعبة الديمقراطية و طبقا لقانون الانتخابات. يواجه النظام الحالي إكراهات و تعقيدات جمة منها ما هو ذاتي و ماهو موضوعي. لكن المنظر العام يظهر (وهن) و ضعف لا مثيل له و في أوقات تتطلب القوة و (الضرب) بيد من فولاذ كل نفس تحاول المساس بهيبة الدولة و يتساوى في ذلك خونة (الداخل) و عملاء (الخارج).
إرث النظام الحالي ثقيل و القضايا كبرى و حساسة بدءا من غياب الإنجازات الملموسة مرورا بالهجرة و عصابات التهريب و التجنيس و مافيا المخدرات و حبوب الهلوسة و المحاولات البائسة للطابور الفرانكفوني الزنجي و أعوانه لخلط الأوراق و تشتيت الرأي العام خدمة لاجندات ما وراء (البحر).
خلاصة القول سيورث النظام الحالي لخلفه (تركة) من الملفات و القضايا المعقدة و يمكن حصرها في :
1 / البطالة المقنعة و هذا ناتج عن التعيينات(العائلية) و اللونية العشوائية حيث صار الاجتماع الاسبوعي لمجلس الوزراء عبارة عن (قرعة) يتم خلالها توظيف و تعيين من لهم الحظ بصلة قربى بأصحاب المعالي و النياشين. فصارت الإدارات مقبرة أسبوعية لدفن المؤهلات و القدرات. هذه الظاهرة السلبية التي فرضتها الأنظمة المتعاقبة أدت إلى تفافم ظاهرة البطالة المقنعة و تضخم كتلة الرواتب دون فوائد أو مردود على منهجية العمل و خط الإنتاج.
2 / الفساد و رغم الشعار الكبير الذي تبناه الرئيس الرامي إلى محاربة الفساد ب (المفسدين) و هذه طريقة (إبداعية) موريتانية خالصة. فالفساد منتشر و بأعتراف هرم السلطة لكن طريقة مكافحة و محاربة الفساد غير مجدية و غير منطقية. فلا يمكن محاربة الفساد بمن لديهم ملفات فساد و آثار مدمرة (مؤسسات) و الشواهد ماثلة للعيان و بالتالي هذا مجرد رذ الرماد في العيون و خطة هروب إلى الأمام. أي على قاعدة (أنت الحكم و انت الخصم). فصرف قرابة 500 مليار اوفية هي تكاليف 99 صفقة دون ذكر التفاصيل. و اختفاء 300 سيارة حكومية حسب مصدر رقابة رسمي في حين تنوي الحكومة  شراء  5000 سيارة. طيعا هذه أمثلة حية و مباشرة على منهجية محاربة الفساد.
3 / الأمية المقنعة قد يبدو المصطلح غريبا نوعا فالمقصود ب (الأمية المقنعة) هو محاباة حملة الشهادات الأكاديمية و أنصهارهم في بوتقة (النظام) الحاكم دون أي تأثير على قضايا المجتمع أو البحث عن حلول تساهم في الرفاهية الإقتصادية للمواطن. فليس غريبا ان يمتدح أستاذ أكاديمي تدشين سجن على أساس انه إنجاز(عظيم) و أخر يرى  أن موريتانيا لا تمتلك قنبلة نووية لكنها تمتلك قنبلة ثقافية بينما يرى دكتور  بعينه (السحرية) دموع قلب (فخامته) المليء بالإيمان.
النتيجة النهائية لا فرق بين البطالة المقنعة و الأمنية المقنعة فكلاهما عنصر امتصاص  (راتب) غير مستحق من خزينة المال العام. فلا البطالة تساهم في رفع مستوى الخدمات الادارية و لا الأمية ترفع من المستوى المعيشي للمواطن و بالتالي سبيقى المفسدون(أسياد) الموقف و فرسان المعركة ما دام هناك (اتحاد) بين البطالة و الأمية.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى