sliderالمبتدأ

حين تتحول الوطنية إلى ذريعة للإقصاء: قراءة نقدية في موجة الكراهية العابرة للملاعب

بقلم: محمد الحبيب هويدي

شهد الفضاء الرقمي في الآونة الأخيرة موجة مقلقة من الخطاب الإقصائي، تزامنت مع أحداث رياضية عابرة، حيث انتشرت مقاطع وتدوينات لأفراد يدّعون “الغيرة الوطنية” وهم يعلنون طرد عمال أفارقة، خصوصًا من السنغال ودول جنوب الصحراء، أو حرمانهم من مصادر رزقهم، في مشهد حظي — للأسف — بتفاعل واسع وتبرير جماعي تحت لافتة “الرد” و“الدفاع عن الوطن”.
غير أن هذا السلوك، مهما تعددت محاولات تبريره، لا يمتّ إلى الوطنية بصلة، بقدر ما يعكس أزمة قيم وخللًا عميقًا في فهم معنى الانتماء والمسؤولية الأخلاقية. فالوطنية الحقة لا تُقاس بإيذاء الضعفاء، ولا تُترجم بمعاقبة أفراد لا ذنب لهم سوى انتمائهم الجغرافي أو لون بشرتهم. إن تحويل الخلافات الرياضية أو السياسية إلى مبرر للتمييز والعنصرية ليس سوى انزلاق خطير نحو شرعنة الكراهية.
إن من أبجديات العقل والعدل التمييز بين الدولة كمؤسسة سياسية، والأفراد كبشر متنوعين في مواقفهم وسلوكهم. فكما لا يجوز الحكم على شعب بأكمله بناءً على تصرفات قلة، لا يجوز معاقبة عامل بسيط بسبب مباراة كرة قدم أو موقف لا علاقة له به من قريب أو بعيد. هذا المنطق التعميمي هو نفسه الذي طالما رفضه المغاربة حين وُجّه إليهم، فكيف يُستساغ ممارسته ضد غيرهم؟
الأخطر من الفعل نفسه هو حجم القبول الاجتماعي الذي رافقه. فالتصفيق، والتبرير، والتشفي، كلها مؤشرات على تطبيع تدريجي مع خطاب العنف الرمزي، حيث تُفرّغ القيم من محتواها، ويُعاد تعريف الأخلاق وفق منطق “نحن” مقابل “هم”. وفي هذا السياق، تصبح العنصرية موقفًا “مفهومًا”، ويُقدَّم الظلم بوصفه رد فعل طبيعيًا.
من منظور إنساني وديني، لا يمكن القفز على حقيقة أن قطع أرزاق الناس ظلم صريح، وأن الإسلام — الذي يُفترض أنه مرجعية أخلاقية لكثيرين — يضع كرامة الإنسان في مرتبة عليا، بغض النظر عن أصله أو لونه. كما أن الأعراف المغربية التاريخية قامت على الاحتضان والتعايش، لا على الإقصاء والعقاب الجماعي.
أما من الناحية الاجتماعية، فإن ربط العلاقات الإنسانية بالمباريات الرياضية أو بالتوترات السياسية يختزل الإنسان في صورة نمطية، ويقوّض أسس العيش المشترك. فالعلاقات بين البشر تُبنى على المواقف الفردية، واللحظات الإنسانية، والتجارب المشتركة، لا على شعارات لحظية أو انفعالات جماهيرية سرعان ما تزول.
لا أحد ينكر أن في كل مجتمع الصالح والطالح، وهذا ينطبق على كل الشعوب دون استثناء، بما فيها مجتمعنا. لكن الوعي الحقيقي يتجلى في القدرة على مقاومة الانسياق وراء الحالات المعزولة، ورفض تحويلها إلى معيار عام يُقاس به الآخرون. فالتعميم ليس اختصارًا للفهم، بل هروب منه.
إن ما نحتاجه اليوم ليس مزيدًا من الشعارات، بل شجاعة أخلاقية تعيد الاعتبار للعقل والإنسان. نحتاج إلى خطاب يذكّر بأن الكرامة لا تتجزأ، وأن الوطنية لا تُبنى على إقصاء من لا صوت لهم. فخسارة مباراة قد تُنسى، أما خسارة القيم فثمنها باهظ، وتداعياتها تمتد إلى صورة المجتمع عن نفسه قبل نظر الآخرين إليه.
محمد الحبيب هويدي -مراسل وكالة الحرية نت من المملكة المغربية

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى