
سؤال صعب: هل يمكن للضحية أن تكون مذنبة؟
يميل الإنسان بطبعه إلى رؤية الأمور كما يريدها هو، لا كما هي في حقيقتها.
وأتمنى من كل موريتاني أن يترك جانباً العاطفة، ويحتكم إلى العقل، لينظر إلى التاريخ بموضوعية.
فالشعب الذي يريد حلّ مشاكله لا بدّ أن يمتلك الشجاعة لمواجهة ماضيه دون خداعٍ أو إنكار.
في قضية الإرث الإنساني، كثيرون يُخفون الحقيقة.
وما نراه اليوم لا يتعدّى رواياتٍ مُحرّفة: قليل من الحقيقة ممزوج بكثير من الأكاذيب والسياسة، دون أن تظهر الحقيقة كاملة.
نعم، في كل رواية جزء من الحقيقة، لكنها ليست الحقيقة كلّها.
فالكثير من الوقائع أُخفيت، ولا أحد يملك الحقيقة المطلقة.
كل من يتحدث عن هذا الملف بيقينٍ قاطع فهو كاذب.
وهكذا انتشرت الأكاذيب سنواتٍ طويلة حتى ترسّخت كأنها حقائق لا تُناقش.
الرئيس معاوية ولد الطايع، الذي وصل إلى الحكم بانقلابٍ سنة 1984 مع رفاقه من العسكريين وكان أغلبهم من السود، لم يكن له مصلحة في أن ينقلب ضدهم وحدهم.
نعم، كان له أصدقاء مخلصون من الموريتانيين السود.
فكيف لرجلٍ ينتمي إلى مجموعة عسكرية متنوعة تمثل كل مكونات موريتانيا أن يكون له مصلحة في استهداف زملائه السود؟ سؤال يستحق التأمل.
برأيي، مجموعة من الظروف هي التي دفعت بالبلد إلى الوقوع في الشرّ الأكبر.
نعم، نظام ولد الطايع اعتقل.
نعم، نظام ولد الطايع عذّب.
نعم، نظام ولد الطايع قتل.
نعم، نظام ولد الطايع هجّر.
لكن أمام حجم الجرائم التي ارتكبها النظام، يطرح سؤال آخر نفسه: لماذا فعل كل ذلك؟
لا يمكن لأحد أن يقنعني بأن نظام ولد الطايع ارتكب تلك الفظائع مجاناً وبدون سبب.
الذين يحاولون تصويره كوحشٍ عطشان لدماء السود يريد إبادتهم، يعيشون في وهمٍ كامل.
كما أن من يتحدث عن “إبادة جماعية ضد السود” يخطئ في التوصيف؛ لأن توصيف الإبادة يحتاج إلى عناصر محددة: نية الإبادة الكاملة أو الجزئية، وخطة منظمة، وغير ذلك.
في الحالة الموريتانية، لم يُستهدف كل العسكريين السود، بل إن الذين تضرروا لم يشكلوا حتى 10٪ من عددهم الكلي.
لم تكن هناك نية واضحة لإبادة جميع السود.
كان نظام ولد الطايع يواجه تنظيماً ذا طابع عرقي هو FLAM، وكانت مطالبه ذات طابع جماعي كما جاء في بيانهم سنة 1986.
وفي هذا السياق، ومع الخطاب العرقي للـ FLAM، جرت محاولة انقلابٍ أولى عام 1987، ذات طابع عرقي أيضاً، لكنها فشلت. وقد تركت أثراً عميقاً ضد نظام الطايع.
وبعد سنتين، سنة 1989، اندلع نزاع بين موريتانيا والسنغال، مما فاقم وضعاً داخلياً هشّاً أصلاً.
أصبح النظام حينها يواجه جبهتين: داخلية (FLAM) وخارجية (السنغال).
وفي خضمّ هذا الاضطراب، تسارعت الأحداث.
ولا يُعرف تماماً ما اكتشفته المخابرات الموريتانية آنذاك، لكن المؤكد أن آلة القمع الجهنمية بدأت عملها، وراح ضحيتها كثيرون.
تحدثت مع عسكريٍّ مسن يعيش في فرنسا حول هذا الموضوع، فقال لي بصراحة:
> “الضباط الشباب وقتها ارتكبوا خطأ بمحاولة الانقلاب. نحن القدامى قلنا لهم: لا تفعلوا ذلك، ستدمّرون البلد. فقالوا لنا: أنتم جبناء، سنفعلها ونسيطر على البلاد.”
ثم أضاف الرجل: “تلك الطموحات هي التي دمّرت موريتانيا.”
يجب الاعتراف بأن انقلاباً كان يُحضَّر ضد المور البيض.
وشهودٌ صادقون يمكنهم تأكيد ذلك.
شيء ما كان يُدبّر فعلاً ضد نظام الطايع وضد المور.
لذلك تحرك النظام ليس فقط لتحييد المنفذين المحتملين لذلك المخطط، بل تجاوزت الحملة حدودها كثيراً.
كان ذلك تياراً ذا مشروعٍ عرقي جعل الكثير من الأبرياء السود يدفعون الثمن غالياً.
ولد الطايع، بصفته عسكرياً، استخدم أسوأ الوسائل لمواجهة خطرٍ اعتبره تهديداً لنظامه ولمجتمعه.
وفي خضمّ هذا القمع، وتحت تأثير الخوف، تضرر الكثير من الأبرياء، عسكريين ومدنيين على حدٍ سواء.
نعم، كثير من العسكريين الوطنيين الذين خدموا موريتانيا بإخلاص دون أن يشاركوا في أي مشروع ضد النظام، سقطوا ضحايا لذلك القمع وفقدوا حياتهم.
آخرون فقدوا كل شيء.
كما أصيب عدد كبير من المدنيين الأبرياء في منطقة الوادي ظلماً.
وحتى داخل تنظيم FLAM، كان كثيرون منخرطين فيه دون أن يدركوا نواياه الحقيقية.
فقد خان بعض القياديين إخوانهم الأبرياء، وزجّوا بهم في مشروعٍ لم يعرفوا أبعاده.
وهكذا دفع الأبرياء حياتهم ثمناً لذلك.
برأيي المتواضع، الانقلابات بين عامي 1978 و1984 كانت ذات طابعٍ سياسي وأيديولوجي، لا عرقي.
فقد كانت الصراعات بين مجموعات عسكرية تضم كل مكونات موريتانيا.
أما انقلاب 1987 فحمل بُعداً عرقياً واضحاً، في وقت كان فيه تنظيم FLAM (الذي تأسس رسمياً عام 1983) نشطاً جداً.
وفي سعي النظام للدفاع عن نفسه ضد هذا التنظيم، تصرف بعنفٍ دون تروٍ ولا حكمة.
فتمت التحقيقات على عجل، وتعاملت السلطة مع الملفات بارتباك، مما أدى إلى موت ومعاناة أبرياء كثيرين.
الذين يعتبرون ولد الطايع بطلاً لأنه أفشل انقلاباً كان يهدد مجتمعهم، عليهم ألا ينسوا أنه في المقابل تسبب بأضرارٍ جسيمة لأبرياء مدنيين وعسكريين.
وكذلك الذين يتهمونه بـ”التطهير العرقي”، عليهم أن يدركوا أن بين الضحايا من كان مذنباً فعلاً، حاملاً لمشروعٍ خطير.
كانت مواجهةً بين تطرفين، وانتهى أحدهما بهزيمة الآخر.
ولمحاولة طيّ الصفحة، أصدر نظام ولد الطايع قانون عفوٍ عام 1993 لحماية أتباعه وتهدئة الأجواء.
لكن من المهم التذكير أن العفو لا يمكن أن يشمل الجرائم ضد الإنسانية ولا التعذيب.
ولا تزال العدالة الموريتانية مختصة في ملاحقة من ارتكب تلك الانتهاكات.
يجب تناول هذا الملف بعقلٍ لا بعاطفة أو حساباتٍ سياسية.
فقد قادت الانحرافات السياسية موريتانيا إلى مأساةٍ عميقة.
ويجب يوماً ما أن نتحلّى بالشجاعة لنواجه التاريخ بصدق، وليعترف كل طرفٍ بأخطائه.
اليوم، حان الوقت لأن تخرج موريتانيا من منطق اللوم والكراهية.
فلن تتقدم بلادنا ما دامت أسيرة الماضي.
العفو لا يعني النسيان، بل هو تحريرٌ للنفوس.
وبالفهم لا بالإدانة، نستطيع إعادة البناء معاً.
فأبناء موريتانيا، سوداً وبيضاً، مسلمون قبل كل شيء، وعليهم أن يختاروا السلام بدل الحقد، والأخوّة بدل الشك.
يجب أن تُعرف الحقيقة وتُقال وتُعترف، ولكن أيضاً أن تُتجاوز، حتى يكون الدم الذي سُفك عبرةً لا أداة انتقام.
اللهم يا من تعلم السرائر والنوايا، اغفر لإخواننا الذين أخطؤوا، وارحم الذين ظلموا وتألّموا.
اللهم أنزل السكينة على بلدنا، وامنح الحكمة لقادتنا، واجعل من موريتانيا أرض وحدةٍ وعدلٍ وأخوّة.
اللهم نوّر القلوب الحزينة، وأيقظ الضمائر الغافلة،
واجعل ألا يرفع موريتانيٌّ بعد اليوم يده على أخيه.
آمين.

ديو عبدالله (AKS)
ناشط من أجل العدالة والحقيقة والديمقراطية في موريتانيا
مناضل من أجل معارضة مسؤولة وموحدة في خدمة الشعب
✊🏽 لا للمؤامرات، لا لزعزعة الاستقرار
🇲🇷 من أجل موريتانيا قوية، عادلة وموحدة




