sliderالسكان والتنمية

12 مايو ليس مجرد ذكرى بل وسام شرف وملحمة عظيمة

تمرُّ بنا ذكرى حدثٍ تاريخيٍ عظيم، عميقِ الدلالات والرسائل، يُعدُّ من أبرز وأجرأ عمليات المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي في بلادنا. ففي الثاني عشر من مايو عام 1905، نفذت مجموعة مؤلفة من 25 رجلاً مهمةً وُصفت بأنها “الأصعب” في ذلك التاريخ؛ وهي اغتيال رأس الحربة الاستعمارية ومنظّر مشروع التوسع الفرنسي في موريتانيا “كزافييه كبولاني”.
ولم يكن كبولاني مجرد قائدٍ عسكري أو موظفٍ استعماري عابر، بل كان العقل المدبر لمشروع “التهدئة” الفرنسي، القائم على تفكيك البنية التقليدية للمجتمع عبر التحالفات السياسية والدينية، وتحييد مراكز المقاومة قبل إخضاع البلاد عسكرياً. ولذلك شكّل اغتياله ضربةً استراتيجية ورمزية موجعة، استهدفت رأس المشروع الاستعماري لا مجرد أحد جنوده.

تفاصيل المواجهة المستحيلة

لم تكن المهمة نزهة، فقد نُفذت في عمق حاميته الحصينة بمدينة “تجكجة”، المحمية بعناية فائقة من قِبل مئات الجنود من الرماة والمدربين المهرة، والمدججين بالأسلحة السريعة الطلقات، تحت إمرة ضباط نخبة صقلتهم الحروب في مستعمرات فرنسا عبر البحار.
قاد هذه العملية الاستشهادية البطل المجاهد الشريف سيدي ولد مولاي الزين، الذي كان يناهز السبعين من عمره، يرافقه فتيةٌ آمنوا بربهم في مقتبل العمر، تتراوح أعمارهم بين الخامسة والعشرين والثلاثين. لقد خرجوا وهم على يقينٍ تام بأن طريقهم ذو اتجاه واحد نحو الشهادة، في أسمى تجليات الإخلاص للدين والوطن، وبذلِ النفس التي هي أعظم مراتب التضحية.

عبقرية التنفيذ وعناية الرحمن

كانت العملية “نوعية” بكل المقاييس العسكرية؛ فمجموعة من البدو الذين لم يتلقوا تكويناً أكاديمياً في حرب المدن أو فنون التخطيط العسكري الحديث، استطاعوا اختراق أكثر الشخصيات الاستعمارية تحصيناً. انطلقت الجماعة من “امحريث” لا تملك من الزاد إلا اليقين، ولا من الأهداف إلا قطف رأس المشروع الاستعماري.
ورغم أن العملية اعتمدت على الجرأة والتخطيط الدقيق واستغلال الثغرات الأمنية، فإن كثيرين رأوا في نجاحها توفيقاً إلهياً استثنائياً بالنظر إلى اختلال ميزان القوة بصورة شبه كاملة. فقد تيسر للمجاهدين معرفة كلمة السر الخاصة بدخول الحامية، كما استغلوا توقيتاً ذكياً يتزامن مع جلب اللبن، وهو وقت يسمح بالولوج دون إثارة الريبة، إضافة إلى ما مثّله وقار الشريف سيدي وهيبته من عامل مباغتة أربك الحراس.

اللحظات الأخيرة في حياة كبولاني

بمجرد دخول المجموعة واغتيال الحرس، تعالت تكبيرات الشريف داخل الحامية، ممتزجةً بأزيز الرصاص، مما خلق حالة من الذعر والارتباك في صفوف الجنود الفرنسيين. ورغم كثرة الضباط والجنود داخل الحامية، إلا أن المجاهدين سدّدوا ضربتهم بدقة نحو كبولاني مباشرة.
وفي غضون خمس دقائق معدودة، كان كبولاني جثة هامدة ليُطوى معه جزء كبير من مشروع “التهدئة” الاستعماري وتبعث مع جثته رسالة كبيرة كتب شيخ وقور وشباب ميامين أن الشعب الموريتاني لايريد الاستعمار تهدئةً ولا سلمًا . وفي ذات الساحة، ارتقى الشريف سيدي ولد مولاي الزين وأربعة من رفاقه الشهداء
الشهيد أحمد ولد هنون
الشهيد الكوري ولد اشويخ
الشهيد أحمد مولود ولد اميلح
الشهيد محمد ولد احويرثي،
وخمسة جرحى وهم
المجاهد البطل اللّ ولد مولاي الزين
المجاهد البطل محمدالسالك ولد السالك (اجاش)
المجاهد البطل السالك ولد ادد
المجاهد البطل احمود ولد اعليه
المجاهد البطل محمد ولد الصفره
وبعد خمسة أيام
تم القبض على الجريح الأسير،الشهيد أحمد ولد اعميره يوم 17مايو ليعدم شنقا بعد محاكمة صورية تلقى عليها افريرنجانه توبيخا بوصفها خروجا على قوانين وأعراف الحرب .
لقد سقطوا في ساحة الشرف مخلفين وراءهم نصراً مدوياً تجاوز صداه حدود تجكجة إلى دوائر القرار الاستعماري في باريس.
وقد أثار مقتل كبولاني ارتباكاً عميقاً داخل الإدارة الاستعمارية الفرنسية، وأجبر باريس على إعادة تقييم أساليبها في إدارة التوسع داخل موريتانيا، كما رفع منسوب القلق من قدرة المقاومة المحلية على اختراق التحصينات العسكرية والوصول إلى أبرز رموز المشروع الاستعماري.

نتائج ودلالات الملحمة

1. سرعة الرد والانتقام
جاءت العملية بعد أقل من شهرين على استشهاد الأمير المجاهد بكار ولد اسويد أحمد الذي كان رأس الحرب ضد دخول المستعمر ، لتكون رداً مزلزلاً أذاق المستعمر مرارة الهزيمة في ذروة نشوته العسكرية والسياسية.
2.السرية والمخابرات الشعبية
نجاح العملية يثبت وجود حاضنة شعبية واسعة وتستر كامل من الأهالي، مما مكّن المجاهدين من الحصول على معلومات دقيقة وحساسة حول تحركات الحامية ونظامها الأمني.
3.كسر هيبة المحتل
اغتيال رئيس البعثة الاستعمارية ومهندس مشروعها الأول داخل حصنه المحصن يمثل ضربة استراتيجية لم يتوقعها جنرالات باريس، وأثبت أن عزيمة الرجال قد تتفوق على الحصون والسلاح.
4.البعد التاريخي للعملية
تُعد هذه العملية، بمعايير ذلك العصر، واحدة من أنجح عمليات المقاومة النوعية ضد الاستعمار الفرنسي في غرب إفريقيا، إذ نادراً ما تمكنت حركات المقاومة المحلية من الوصول إلى شخصية استعمارية بهذا المستوى داخل مركز محصن وتحت حماية مشددة.
15.البعد الغامض في العملية
يعد رقم 5 هو الأمر الغامض في هذه العملية التي تمت شهر خمس من 1905 وتمت خلال خمس دقائق وكان الشهداء خمس والجرحى خمسة في صفوف المجاهدين وفي صفوف العدو كان القتلى خمسة والجرحى خمسة من الجمّالة وخمسة من الرماة وبعد خمسة أيام تم من انتهاء العملية تم تسليم الشهيد ولد إعمير للفرنسيين ليعدموه شنقا في عملية دنيئة وخارج أعراف الحرب قتل أسير وجريح .
لقد سطر هؤلاء الأبطال بدمائهم واحدة من أعظم ملاحم المقاومة والجهاد على أرض المنارة والرباط. وهذا التاريخ ليس مجرد ذكرى عابرة، بل هو وسام شرف وركن أصيل من الذاكرة الوطنية، يستحق أن يُخلد في وجدان الأجيال باعتباره رمزاً للحرية والكرامة والسيادة.
إن الأمم التي تنسى مقاوميها تفقد جزءاً من ذاكرتها وكرامتها. ولذلك فإن تخليد ملحمة الشريف سيدي ولد مولاي الزين ورفاقه ليس مجرد وفاء للماضي، بل تأكيدٌ على أن روح المقاومة والكرامة ظلت جزءاً أصيلاً من الشخصية الموريتانية عبر التاريخ وأن هذه العملية المزلزلة والتي بلغ صداها فرنسا والتي قام بها شيخ مسالم انقلب بين عشية وضحاها إلى ليث همام برفقة مجموعة من الشباب تسير إلى الموت بخطى متسارعة ليعني أن الدين والشرف والوطن أغلى من الحياة نفسها.
رحم الله الشريف سيدي ولد مولاي الزين، ورحم رفاقه الميامين، الذين علمونا أن النصر يُكتب بمداد التضحية، وأن إرادة التحرر قادرة على اختراق أكثر الحصون.

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى