sliderتقارير

لحراطين بين عدالة القضية وتجارة الوصاية.. العافيه امونكه ترد على ساموري ولد بي

 ليس أخطر على الحراطين من الظلم التاريخي وحده، بل أخطر منه أولئك الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على آلامهم، يتحدثون باسمهم دون تفويض، ويتاجرون بمعاناتهم دون برنامج، ويحولون قضيتهم العادلة إلى سلّم شخصي للصعود السياسي والنقابي والإعلامي.

إن أكبر مشكلة تعاني منها هذه الشريحة الكريمة ليست في ضعفها ولا في نقص وعيها، بل في بعض “القادة” الذين يحتكرون الكلام باسمها، ثم لا يقدمون لها مدرسة، ولا تكوينا، ولا مشروعا اقتصاديا، ولا خطة للاندماج، ولا طريقا واضحا للترقي الاجتماعي. يكتفون بإعادة فتح الجراح، واستدعاء آلام التاريخ، وتحويل الإحباط المشروع إلى وقود لمعاركهم الخاصة.

كان الأجدر بمن يدعي الدفاع عن الحراطين أن يدفع أبناءهم نحو التعليم، لأن التعليم وحده هو السلاح الحقيقي للتحرر. وكان عليه أن يطالب ببرامج عملية: مدارس، منح، تكوين مهني، تمويل صغير، ولوج عادل للوظائف، تمكين اقتصادي، ودعم للنساء والشباب. أما أن يتم اختزال القضية في خطاب التخويف والتهويل والاستقواء بالخارج، فذلك ليس دفاعا عن الحراطين، بل استثمار في معاناتهم.

نعم، البرامج الحكومية الموجهة للفئات الهشة قد تكون دون مستوى الحاجات، وقد تحتاج إلى جرأة أكبر، وشفافية أكثر، وتسريع في التنفيذ. لكن المطلوب هو تطويرها والضغط الإيجابي من أجل تحسينها، لا نسف الثقة في الدولة، ولا دفع الناس إلى اليأس، ولا تصوير موريتانيا وكأنها على أبواب كارثة لا وجود لها إلا في مخيلة من يعيشون سياسيا على صناعة الخوف.

أما الحديث عن “حماية دولية” للحراطين، فهو كلام خطير، غير مسؤول، وغير قابل للتطبيق على الحالة الموريتانية. وفوق ذلك، فإن التجارب التاريخية تثبت أن الحماية الدولية لم تكن يوما ضمانة حقيقية للشعوب. والقضية الفلسطينية حاضرة أمام العالم: شعب كامل تحت الاحتلال، وقرارات دولية لا تحصى، ومؤسسات أممية لا تتوقف عن الكلام، ومع ذلك لم تحمه “الحماية الدولية” من القتل، ولا من التهجير، ولا من الحصار، ولا من ضياع الحقوق.

فكيف يريد البعض أن يبيع للحراطين وهما اسمه “الحماية الدولية”، بدل أن يقدم لهم طريقا واقعيا اسمه: الدولة الوطنية، المواطنة، التعليم، العدالة، المشاركة، والعمل المنتج؟

الحراطين ليسوا قطيعا انتخابيا، ولا ذخيرة خطابية، ولا ورقة ضغط في يد أي زعيم. هم مكون أصيل من الشعب الموريتاني، لهم كرامتهم، وحقوقهم، وطموحاتهم، ومكانتهم في الدولة والمجتمع. ومن يريد فعلا خدمتهم فليتوقف عن المتاجرة بهم، وليقدم لهم حلولا لا شعارات، ومشاريع لا صراخا، ومدارس لا منصات بث مباشر.

موريتانيا لا تحتاج إلى من يشعل النار في بيتها باسم المظلومية، بل إلى من يطفئ نار الظلم بالعقل، والإصلاح، والعمل، والإنصاف. أما الذين يقتاتون من الجراح، فهم جزء من المشكلة، لا جزء من الحل.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى