sliderالأخبارالمغرب والساحل

المينورسو بعد الفيتو الروسي.. هل تفتح الجمعية العامة باب العودة أم تمهّد لمرحلة جديدة في نزاع الصحراء؟

المغرب ـ الحرية نت: اجتماع 10 نونبر يضع واشنطن وموسكو أمام اختبار دبلوماسي جديد.. والجمعية العامة تتحول إلى ساحة لتقييم تداعيات سقوط مشروعي القرار الأمريكي والروسي

تتجه قضية الصحراء إلى محطة دبلوماسية جديدة داخل الأمم المتحدة، بعدما انتهى اجتماع مجلس الأمن المنعقد في 30 أكتوبر الماضي إلى نتيجة غير مسبوقة تمثلت في سقوط مشروعي القرار الأمريكي والروسي بشأن مستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (المينورسو)، في تطور أعاد الملف إلى واجهة التجاذبات الدولية، وطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الحضور الأممي في المنطقة.

فبينما اصطدم المشروع الأمريكي بفيتو روسي، لم يتمكن المشروع الروسي البديل من الحصول على الحد الأدنى من الأصوات اللازمة لاعتماده، لتنتهي بذلك ولاية البعثة في 31 أكتوبر، وتتوقف عملياتها بعد أكثر من 35 سنة على إنشائها.

ولم يكن هذا التطور مجرد إخفاق تقني في تجديد ولاية بعثة أممية، بل عكس خلافاً سياسياً أعمق بشأن مستقبل العملية السياسية، وطبيعة الدور الذي ينبغي أن تضطلع به الأمم المتحدة في المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل التحولات التي عرفها ملف الصحراء وتنامي النقاش الدولي حول مبادرة الحكم الذاتي المغربية.

وفي هذا السياق، تكتسي جلسة الجمعية العامة المقررة يوم 10 نونبر أهمية خاصة، باعتبارها أول محطة أممية لمناقشة تداعيات الفيتو الروسي، في وقت تتزايد فيه التساؤلات بشأن إمكانية إعادة المينورسو أو التوافق على صيغة أممية بديلة.

سقوط المشروعين.. ماذا تقول نتائج التصويت؟

تكشف نتائج اجتماع مجلس الأمن في 30 أكتوبر عن حجم الانقسام الذي بات يطبع التعامل الدولي مع قضية الصحراء.

فالمشروع الأمريكي، الذي حمل الرقم S/2026/868، حصل على تأييد 11 عضواً من أصل 15، مقابل صوت روسي معارض وثلاثة امتناعات من الصين وباكستان والصومال.

ورغم حصوله على أغلبية واسعة، فإن استخدام روسيا حق النقض حال دون اعتماده، بالنظر إلى أن القرارات الموضوعية داخل مجلس الأمن لا يمكن تمريرها في مواجهة اعتراض أحد الأعضاء الدائمين.

وكان المشروع الأمريكي يقترح تمديد ولاية البعثة سنة إضافية، مع تغيير اسمها إلى بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (MINUSO)، وإعادة النظر في بنيتها ومهامها، فضلاً عن إعطاء موقع مركزي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية في المفاوضات.

في المقابل، قدمت روسيا مشروعاً مضاداً تحت رقم S/2026/870، اقترحت من خلاله تمديد ولاية المينورسو بصيغتها الحالية إلى غاية 31 أكتوبر 2027.

لكن المشروع الروسي لم يحصل سوى على ثلاثة أصوات مؤيدة، هي روسيا والصين والصومال، مقابل صوت أمريكي معارض و11 امتناعاً.

وتعكس هذه النتيجة مفارقة سياسية لافتة: واشنطن لم تتمكن من تمرير تصورها الجديد بسبب الفيتو الروسي، وموسكو لم تنجح في فرض استمرار البعثة بصيغتها القديمة بسبب افتقاد مشروعها للأغلبية المطلوبة.

وبذلك وجد الملف نفسه أمام فراغ مؤسساتي على مستوى ولاية البعثة، دون أن يعني ذلك انتهاء مسؤولية الأمم المتحدة عن مواصلة البحث عن تسوية سياسية.

10 نونبر.. لماذا تستدعي الجمعية العامة روسيا؟

قرر رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، خليل الرحمن، عقد جلسة عامة يوم 10 نونبر، استناداً إلى القرار 76/262، الذي اعتمد سنة 2022.

وتنص هذه الآلية على عقد اجتماع للجمعية العامة خلال عشرة أيام عمل من استخدام أحد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن حق النقض، حتى تتمكن الدول الأعضاء من مناقشة مبررات استخدامه وتداعياته.

ومن الناحية السياسية، تمثل الجلسة فرصة لروسيا لتقديم مبررات موقفها، كما تتيح للولايات المتحدة والدول الأخرى التعبير عن مواقفها من التطورات التي شهدها مجلس الأمن.

لكن من المهم التأكيد أن الاجتماع ليس تصويتاً على إعادة المينورسو، ولا يشكل جلسة مخصصة لاتخاذ قرار جديد بشأن الصحراء.

إنه نقاش أممي حول استخدام حق النقض وانعكاساته على عمل مجلس الأمن، ويمكن أن تكون له تداعيات دبلوماسية تتجاوز موضوع الفيتو نفسه.

وهنا تكمن أهمية المحطة المقبلة: هل ستكتفي الدول بتبادل المواقف، أم ستتحول الجلسة إلى مدخل لتحريك مشاورات جديدة بشأن مستقبل البعثة؟

الجمعية العامة.. سلطة سياسية واسعة وصلاحيات قانونية محدودة

يطرح اجتماع نونبر سؤالاً أساسياً يتعلق بمدى قدرة الجمعية العامة على التدخل في مستقبل المينورسو، خصوصاً بعد انتهاء ولايتها.

من الناحية القانونية، لا تستطيع الجمعية العامة إلغاء الفيتو الروسي أو إصدار قرار يحل محل قرار مجلس الأمن بإعادة إنشاء البعثة أو تمديد ولايتها.

فالمينورسو أنشئت بموجب قرار مجلس الأمن رقم 690 لسنة 1991، وأي تفويض جديد لها أو إنشاء بعثة لحفظ السلام بصلاحيات مماثلة يظل من اختصاص المجلس.

لكن الجمعية العامة تملك أدوات سياسية ودبلوماسية مهمة، من بينها إصدار التوصيات، ومناقشة القضايا الدولية، وتعبئة مواقف الدول الأعضاء، وإبراز مواطن الخلاف داخل المنظمة.

كما أن آلية الاتحاد من أجل السلام تتيح للجمعية العامة تقديم توصيات جماعية عندما يعجز مجلس الأمن عن أداء مسؤولياته بسبب الخلاف بين أعضائه الدائمين، دون أن يمنحها ذلك صلاحية تجاوز الفيتو في إعادة تفويض المينورسو.

وبالتالي، فإن أهمية اجتماع 10 نونبر لن تقاس بإمكانية إصدار قرار يعيد البعثة، بل بمدى قدرته على خلق مناخ سياسي يسمح بإعادة فتح الملف داخل مجلس الأمن.

ماذا يقول المحللون عن الموقف الأمريكي الروسي؟

تقدم قراءات المتخصصين في شؤون مجلس الأمن صورة عن طبيعة المواجهة الحالية.

ففي تحليل نشرته مؤسسة Security Council Report بشأن التصويت، اعتبرت أن الخلاف لم يكن متعلقاً فقط باسم البعثة أو مدة ولايتها، بل امتد إلى طبيعة الإطار السياسي الذي ينبغي أن يحكم المفاوضات.

ويبرز التحليل أن المشروع الأمريكي حاول الانتقال من الصيغة التقليدية للمينورسو إلى تصور جديد يعطي أولوية أكبر لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، وهو ما أثار تحفظات روسية وصينية، تتعلق أساساً بعدم استباق نتائج المفاوضات وبضرورة الحفاظ على توازن المرجعيات الأممية.

كما أن مواقف الدول الثلاث التي امتنعت عن التصويت على المشروع الأمريكي تكشف أن دعم استمرار الحضور الأممي لا يعني بالضرورة الموافقة على تغيير طبيعة المهمة أو تحديد نتيجة المفاوضات مسبقاً.

فالصين أكدت أهمية استمرار المينورسو، لكنها اعتبرت أن المشروع الأمريكي لم يوازن بما يكفي بين مواقف الأطراف.

وباكستان شددت على أن تقرير المصير ينبغي أن يظل حاضراً في أي تسوية سياسية، بينما أبدت الصومال تخوفها من أن تؤدي بعض مقتضيات المشروع إلى استباق نتائج المفاوضات.

أما روسيا، فقد اعتبرت أن المشروع الأمريكي يبتعد عن الأسس التي قامت عليها العملية السياسية، وأن تغيير طبيعة البعثة دون توافق مسبق قد يضر بفرص التوصل إلى تسوية مقبولة.

في المقابل، ترى واشنطن أن استمرار البعثة بصيغتها القديمة لم يعد ينسجم مع التحولات التي عرفها الملف، وأن المرحلة المقبلة ينبغي أن تركز على تسوية سياسية أكثر واقعية.

وهكذا، فإن الخلاف الأمريكي الروسي يعكس صراعاً حول مستقبل الإطار الأممي نفسه، وليس مجرد اختلاف بشأن تمديد مهمة حفظ السلام.

المغرب أمام فرصة دبلوماسية وتحديات جديدة

بالنسبة للمغرب، تأتي هذه التطورات في سياق دبلوماسي اتسم خلال السنوات الأخيرة بتنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي.

ويظل قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025 أحد أبرز محطات هذا المسار، إذ دعا إلى مواصلة المفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، واعتبر أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل أحد أكثر النتائج قابلية للتطبيق.

غير أن سقوط المشروع الأمريكي الأخير يوضح أن الانتقال من الدعم السياسي لمبادرة الحكم الذاتي إلى إعادة صياغة المؤسسات الأممية ليس مساراً تلقائياً، بل يتطلب توافقاً داخل مجلس الأمن.

ومن هنا، فإن التحدي أمام الدبلوماسية المغربية يتمثل في مواصلة تعزيز الدعم الدولي للمبادرة، مع توضيح تصورها المؤسساتي والسياسي، والعمل على منع تحول الخلاف حول مستقبل المينورسو إلى تراجع في زخم المسار السياسي.

كما أن انتهاء ولاية البعثة لا يعني، في حد ذاته، حسم الوضع القانوني للنزاع أو تغيير مواقف الأطراف، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على تحركات دبلوماسية متعددة.

أربعة سيناريوهات لمستقبل المينورسو

في ضوء التطورات الحالية، يمكن الحديث عن أربعة احتمالات رئيسية:

أولاً: استمرار الفراغ وتعثر التوافق الدولي.

وهو احتمال يقوم على استمرار الخلاف الأمريكي الروسي، وعدم التوصل إلى اتفاق جديد داخل مجلس الأمن، بما يعني استمرار غياب البعثة بصيغتها السابقة، مع مواصلة الأمم المتحدة جهود الوساطة السياسية.

ثانياً: إعادة المينورسو بولاية جديدة.

قد تفضي المشاورات الدبلوماسية إلى مشروع قرار توافقي يمدد ولاية البعثة، مع الاحتفاظ بجزء من مهامها الأصلية أو تعديل بعض اختصاصاتها.

لكن تحقيق هذا السيناريو يتطلب تجاوز الخلافات المتعلقة بالمرجعية السياسية للمهمة.

ثالثاً: إنشاء بعثة أممية جديدة.

قد يكون الحل الوسط هو تجاوز اسم المينورسو وإنشاء بعثة سياسية أو آلية أممية جديدة، تركز على مواكبة المفاوضات ومراقبة التطورات الميدانية وتقديم التقارير إلى مجلس الأمن.

وهذا الاحتمال يتقاطع مع التصور الأمريكي الذي كان يقترح تغيير اسم البعثة وإعادة هيكلة مهامها، لكنه يحتاج إلى موافقة جديدة من مجلس الأمن.

رابعاً: إعادة ترتيب العملية السياسية دون بعثة ميدانية.

قد تختار الأمم المتحدة التركيز على جهود المبعوث الشخصي للأمين العام، ستافان دي ميستورا، وتكثيف الاتصالات والمفاوضات بين الأطراف، دون إعادة إنشاء بعثة ميدانية في المدى القريب.

غير أن هذا الخيار يطرح أسئلة حول كيفية المحافظة على مراقبة الوضع الميداني وآليات خفض التوتر في المنطقة.

ما الذي ينبغي مراقبته يوم 10 نونبر؟

تتجاوز أهمية الاجتماع المقبل مضمون المداخلات التي ستلقيها الدول الأعضاء، إذ ينبغي التركيز على أربعة مؤشرات:

– طبيعة المبررات التي ستقدمها روسيا للدفاع عن استخدامها الفيتو.
– موقف الولايات المتحدة من إمكانية العودة إلى التفاوض حول مشروع جديد.
– مواقف الدول التي امتنعت عن التصويت، خصوصاً الصين وباكستان والصومال.
– مدى ظهور توجه دولي يدعو إلى الحفاظ على حضور أممي في المنطقة، سواء من خلال المينورسو أو عبر صيغة بديلة.

كما ينبغي متابعة ما إذا كانت الجلسة ستفرز توصيات أو مبادرات سياسية من شأنها تحريك المشاورات داخل مجلس الأمن.

الخلاصة.. معركة المينورسو قد تكون بداية معركة أكبر حول مستقبل التسوية

تكشف التطورات الأخيرة أن قضية الصحراء دخلت مرحلة جديدة من إعادة ترتيب الأوراق داخل الأمم المتحدة.

فالمواجهة لم تعد مقتصرة على استمرار بعثة أممية أو انتهاء ولايتها، بل أصبحت مرتبطة بمستقبل العملية السياسية، والمرجعيات التي ستؤطر المفاوضات، وحدود التوافق بين القوى الكبرى بشأن الحل النهائي.

وبين واشنطن التي تدفع نحو إعادة تشكيل دور الأمم المتحدة بما ينسجم مع تصور سياسي جديد، وموسكو التي تعترض على هذه المقاربة وتتمسك بعدم فرض نتائج مسبقة على المفاوضات، تبدو الجمعية العامة أمام اختبار دبلوماسي جديد.

ومن غير المتوقع أن تعيد جلسة 10 نونبر المينورسو بقرار مباشر، لكن مخرجاتها السياسية قد تساهم في تحديد اتجاه المرحلة المقبلة.

فإذا نجحت الدبلوماسية الدولية في تحويل النقاش إلى مشاورات جديدة داخل مجلس الأمن، فقد تفتح الطريق أمام صيغة أممية جديدة.

أما إذا استمر الانقسام، فقد تجد الأمم المتحدة نفسها أمام مرحلة من تدبير النزاع دون المينورسو، في انتظار توافق دولي يعيد ترتيب آليات الوساطة والمراقبة.

وفي المحصلة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه لم يعد فقط: هل تعود المينورسو؟ بل: هل نحن أمام نهاية الصيغة الأممية التي رافقت النزاع منذ 1991، وبداية مرحلة جديدة عنوانها إعادة تعريف دور الأمم المتحدة في تسوية قضية الصحراء.

محمد الحبيب هويدي ـ مراسل والحرية نت من المغرب

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى