للخبز تاريخ طويل مع الطغاة؛ فمنذ أن كانت روما تُلهي جياعها بالخبز والسيرك، تبدّلت الإمبراطوريات، وسقطت العروش، وتغيّرت أساليب الحكم، وبقي الرغيف قادرًا على إفساد نوم الملوك.
في ثمانينيات القرن الماضي، حين كانت للأوقية هيبةٌ فقدتها اليوم، قررت اتحادية المخابز رفع سعر الرغيف بخمس أواقٍ، من 20 إلى 25. خمس أواقٍ كانت كافية لإشعال غضب الشارع، ليدرك الرئيس ولد الطايع، ولو متأخرًا، أن الفرع لا يقع على أصله إلا في ذاته، سلوكًا أو خُلُقًا، فيأمر بالتراجع. أطاعت الاتحادية أوامر الرئيس حينها، لكنها لم تطع القرار لاحقًا. انحنت أمام هيبة الدولة، ثم عادت إلى أفرانها لتعيد كتابة المرسوم على طريقتها. ظهر رغيفان متشابهان في الشكل، مختلفان في الوزن والسعر؛ أحدهما بـ50 أوقية، والآخر بـ100. ولأن الموريتاني، حتى في فقره، لا يحب أن يبدو فقيرًا، اختار الأغلى، وترك الأرخص يموت على الرفوف. هكذا انتصر الخبازون على الرئيس دون انقلاب، وسقط القرار الجمهوري في فرن ملتهب، لا في ثكنة عسكرية.
مرت السنوات، وحاولت المخابز رفع السعر إلى 150 أوقية، وعندما تعذّر ذلك، لجأت مرة أخرى إلى التلاعب بوزن الرغيف لتحقق ما عجزت عن إضافته إلى ثمنه. واليوم يعود التاريخ مرتديًا مئزر خباز؛ يرتفع سعر الرغيف فجأة إلى 200 أوقية قديمة، فتغضب وزارة التجارة، وتغلق 19 مخبزة، وتعلن الانتصار على المضاربة. تتراجع المخابز خطوة إلى الوراء، ويعود السعر إلى سابق عهده، لكن الرغيف لا يعود معه كما كان؛ فقد خسر شيئًا من وزنه، وظهر إلى جانبه شقيق «محسّن» بـ200 أوقية. بعد أيام، سيختفي الرغيف الأرخص، ويصبح الأغلى هو الأصل، فنكتشف أن المخابز لم تتراجع عن الزيادة، بل غيّرت الطريق المؤدية إليها.
في هذا المنكب، تستطيع الدولة أن تحدد سقف الأسعار، لكنها لا تستطيع مراقبة معايير الجودة. المراسيم لا تدخل الأفران، ولجان الرقابة قد تُحصي المخابز المخالفة، لكنها لا تُحصي بالضرورة ما يتبخر من أوزان صديق الفقراء. الخبز، يا سادة، ليس تفصيلًا صغيرًا في تاريخ الشعوب؛ فقد عرفت فرنسا أن الجوع لا ينتظر سقوط الباستيل، وعرفت روما أن الجماهير قد تصبر على فساد الأباطرة أكثر مما تصبر على فراغ مخازن القمح. أما نحن، فما زلنا نتعلم أن الرغيف قد يكون أصغر من كف طفل، وأكبر من هيبة دولة.
هناك حكمة قديمة تقول: «إذا لم يتوفر الخبز للفقراء، فلن يتوفر الأمن للأغنياء». لكن يبدو أن بعض أصحاب الأفران يقرؤون التاريخ بالمقلوب، ظنًّا منهم أن بوسعهم أن يقتطعوا من خبز الفقراء دون أن يمتحنوا شيئًا من صبرهم.
وفي انتظار أن تنتصر الدولة لإرادة الشعب، سيظل المواطن الموريتاني يحمل إلى بيته رغيفًا يزداد سعره كلما نقص وزنه؛ يشتري قطعة خبز، ويدفع ثمنًا لجودة متخيّلة، ويتسلّم الباقي حزنًا، وقد يدرك، ولو متأخرًا، أن الوعي هو المسافة بينه وبين القطيع.
م نعمه عمر







