في السياسة، ليست التصريحات دائمًا هي ما يُقرأ، بل ما يُترك خلفها من إشارات. لذلك، فإن الجدل القائم اليوم حول “المأمورية الثالثة” لا يمكن اختزاله في ثنائية بسيطة: رئيس يرفض وأغلبية تصرّ. فالمشهد، في عمقه، يعكس أزمة توازن داخل بنية السلطة، أكثر مما يعكس اختلافًا عابرًا في وجهات النظر.
لقد أعلن محمد ولد الشيخ الغزواني بشكل واضح عدم نيته الترشح لمأمورية ثالثة، وهو إعلان كان يُفترض أن يضع حدًا نهائيًا لنقاش استهلك جزءًا معتبرًا من الزمن السياسي، وأن يفتح الطريق أمام حوار وطني جاد. غير أن إصرار أحزاب الموالاة، وفي مقدمتها حزب الإنصاف، على إبقاء هذا الملف ضمن جدول النقاش، يكشف أن ما يجري يتجاوز حدود الانضباط السياسي إلى سؤال أعمق: هل القرار داخل السلطة مركزي فعلًا، أم أنه موزّع بين دوائر متعددة لكل منها حساباتها؟
1. وهم الانسجام داخل الأغلبية
من الخطأ التعامل مع “الأغلبية” ككتلة صماء. فهي، في حقيقتها، تحالف مصالح أكثر منها وحدة موقف. الرابط الأساسي الذي يجمعها هو القرب من مركز القرار، لا مشروع سياسي متكامل. وعندما يعلن الرئيس موقفًا قد يُفهم منه أنه يفتح أفق ما بعده، تبدأ تلقائيًا ديناميات داخلية في التشكل.
إصرار بعض أطراف الموالاة على طرح المأمورية الثالثة لا يبدو تمردًا على إرادة الرئيس بقدر ما هو محاولة استباقية لإعادة تموضع داخل مرحلة يُخشى أن تكون انتقالية. فحين يلوح في الأفق احتمال خروج الرئيس من المشهد، تتحول الأغلبية من حالة “الاصطفاف خلف رجل” إلى حالة “التموضع لما بعد الرجل”.
2. ورقة ضغط أم رسالة مبطّنة؟
القول إن إدراج المأمورية الثالثة مجرد “ورقة تفاوض” مع المعارضة لا يفسر وحده هذا الإصرار. فلو كان الأمر كذلك، لكان من السهل سحبها استجابة لرغبة رئيس الجمهورية، خصوصًا وأن كلفة استمرارها أعلى من مكاسبها الظاهرية.
الأرجح أن هذه الورقة تؤدي وظيفة مزدوجة:
خارجيًا: الحفاظ على عنصر ضغط في مواجهة المعارضة.
داخليًا: توجيه رسالة غير مباشرة مفادها أن قواعد اللعبة لم تُحسم بعد، وأن سيناريو “الاستمرارية” لا يزال حاضرًا في أذهان بعض مراكز النفوذ، حتى وإن لم يكن خيار الرئيس نفسه.
3. صمت الرئيس: حياد أم إدارة ذكية للتوازنات؟
رفض الرئيس التدخل لفرض سحب هذا المقترح يطرح بدوره أكثر من علامة استفهام. هل هو تمسك بمبدأ “استقلالية الأحزاب”؟ أم أنه اختيار واعٍ لعدم كسر توازنات دقيقة داخل معسكره؟
في الأنظمة التي تقوم على تعدد دوائر التأثير، قد يكون التدخل الحاسم مكلفًا. فرض الانضباط بالقوة قد يكشف هشاشة التماسك، ويُسرّع في تفكك التحالف. لذلك، قد يفضل الرئيس ترك هامش من “الفوضى المضبوطة”، يتيح لكل طرف التعبير عن موقعه دون أن ينفجر التناقض بشكل كامل.
لكن هذا الخيار، وإن كان مفهومًا تكتيكيًا، يحمل مخاطره؛ إذ قد يُفسَّر كعجز عن الحسم، أو كقبول ضمني باستمرار حالة الغموض.
4. هاجس ما بعد السلطة
النقطة الأكثر حساسية في هذا الملف هي ما يختبئ خلفه من سؤال غير معلن: ماذا بعد نهاية المأمورية الحالية؟
الأغلبية ليست كيانًا متماسكًا بذاته، بل هي مرتبطة بشخص الرئيس. ومع أي إشارة إلى خروجه المحتمل، تبدأ تلقائيًا عمليات فرز داخلي. الحديث عن “الجنرالات المتقاعدين” أو الشخصيات النافذة ليس مجرد تخمين، بل يعكس طبيعة النظام السياسي حيث تتداخل السلطة المدنية مع مراكز نفوذ أخرى.
من هنا، يصبح التمسك بطرح المأمورية الثالثة نوعًا من تعليق لحظة الحسم، وتأجيلًا لصراع الخلافة أكثر منه دفاعًا حقيقيًا عن تعديل دستوري.
5. المعارضة وبراغماتية الفرصة
في المقابل، تبدو المعارضة أكثر براغماتية. فقد قرأت إعلان الرئيس كضمانة كافية، وفضّلت عدم تعطيل فرصة الحوار بسبب ملف قد يكون، في نظرها، قد حُسم سياسيًا حتى وإن بقي نظريًا مطروحًا.
هذا الموقف يعكس إدراكًا بأن الصراع الحقيقي ليس حول “نص دستوري” بقدر ما هو حول موازين القوة داخل النظام نفسه.
خلاصة
ما يجري اليوم ليس خلافًا عابرًا، بل هو تعبير عن لحظة انتقالية غير مُعلنة.
رئيس يرسل إشارة تهدئة، وأغلبية تتصرف بمنطق التحوّط للمستقبل، ومعارضة تحاول استثمار الفرصة دون الوقوع في فخ التعطيل.
إنه، باختصار، صراع على الزمن السياسي:
الرئيس يريد ضبطه وإنهاء جدل الماضي،
والأغلبية تريد إبطاءه حتى تتضح معالم ما بعده.
وبين هذا وذاك، يبقى الحوار الوطني رهينة هذا التردد:
هل نحن أمام نظام يستعد لانتقال سلس؟
أم أمام سلطة لم تحسم بعد شكل ما بعدها، فتُبقي كل الأبواب مواربة… بما فيها باب “المأمورية الثالثة”؟
حمادي سيدي محمد آباتي





