ثقافة ومجتمع
الآراءُ الأصولية عند العلامة لمرابط ولد أحمد زيدان من خلال كتاب مراقي السعود

بينَ المسائل الأصولية والفروع الفقهية علاقةٌ مباشرةُ وتأثير جليٌّ في عملية الاجتهاد ، إذِ الفروعُ نتيجةٌ وثمرةٌ لأصولها ، ولا يُمكنُ وجودُ الثَّمرة إلاَّ بعد وُجود الجذور .
هذا وإن تأثيرَ الأصول في الفقه تأثيرٌ حيٌّ ، فالفقهُ مبنيٌّ على الأصول ، ومن لم يعرفْ أصولَ الفقه فإنه لن يجد للفقه طعماً أو يشُمَّ له رائحةً .
وقد ظلَّتِ العلاقةُ بين هذين العلميْن _ علمِ الأصول وعلم الفقه _ وطيدةً مبثوثةً في الكتُب وطريقةِ الاستنباط التى انتَهجَها الفقهاءُ في تكثير الفروع الفقهية وبسْطِ الأحكام الاجتهادية .
ولذا ذكرَ الإمام القرافيُّ رحمه الله في كتاب ” الذخيرة ” كلاماً مستعذَباً في هذا الباب ، مضمونُه أن أيَّ فقهٍ لم يُخرَّجْ على أصوله وقواعده فليْسَ بفقْهٍ .
وقد كان للعلماء اعتناءٌ كبيرٌ بالفقه وأصوله ؛ وما ذلك إلاَّ ميولاً منهم إلى صحَّة الاستدلال وقُوِّة الأصل وسلامة المأخذ الفقهيِّ من الضَّعف والهشاشة الدليلية .
فالفقهُ فرعٌ عن الأصل ، وهو ميزانُه القويمُ وقُسطاسُه المستقيم ، فعلمُ الأصول بالنسبة للفقه ميزانٌ ضابطٌ للاستنباط الصحيح من غيره ، وقواعدُ هذا العلم وسَطٌ بين الأدلة والأحكام ، فهي التي يُستنبطُ بها الحكمُ التفصيليُّ وموضوعُها دائما الدَّليلُ والحُكم .
ولقد كان هذا المهيعُ ديْدنَ العلماء ومسلكَ المجتهدين لم يَحيدُوا عنه قيْدَ أنمُلة ، بل لم يُسلَّم قولُ مَن مِنهم لم يسِرْ على المنهج الأصولي المُفضِي إلى الفقه الصحيح ، فلا تُقبلُ فتاوي العالِم إن لم تكن مُحقِّقةً ذلك الشرط :
ولازمٌ من انعدام الشرط
عدمُ مشروطٍ لدى ذي الضَّبط
ومن العلماء الذين اشتُهرُوا بالفقه وتفريعاتِه ، وعُرفوا بالاهتمام بالفرع وجُزئياتِه ، والفتاوي الفقهية عُموماً العلامةُ لمرابط محمد الأمين ولد أحمد زيدان الذي شرحَ أهمَّ كتُبِ الفروع الفقهية المالكية وهو مختصرُ خليل في كتابه المسمَّى ” بالنصيحة ” ، وعُرف بدقَّة الإجابة عن النوازل التي كانتْ تفدُ إليه من كلِّ ناحية .
وإلى جانب هذا الاعتناء بالفقه الفرعيِّ _ تدريساً وممارسةً _ كانتْ للشيخ مع ذلك وقفاتٌ وآراء أصولية واستدراكاتٌ علمية ؛ غيرَ أن المنزع الفقهيَّ الفروعيَّ الذي اشْتَهر عن الشيخ _ غطَّى من ناحية الاختصاص والغلبة _ على جوانبه العلمية وإبداعاته المعرفية الأخرى والتي ظلَّتْ حبيسةَ تآليفه لم تُستنطقْ بعدُ .
وذلك ما أفاَده حديثُ الشيخ تصريحاً إذْ قال في شرحه على مختصر خليل ضمن حديثه عن مباحث التَّخصيص والتَّقييد للنية في اليمين مبيِّناً ضرورةَ النظر في أصول الفقه ليسلمَ التصورُ الفقهيُّ ، حاثًّا على السهر في تعلُّمها قائلا :《 لابدَّ هُنا أن أُقدِّمَ شيْئاً يُسهِّلُ معنى هذا الكلام إذ لا يَفهمُه كلَّ الفهم إلاَّ من مازج فنَّ الأصول 》. [1]
وهيَ توطئةٌ تُوحِي بمعرفتِه لمضامين الأبواب الأصولية واطِّلاعِه على مباحثه الوعِرةِ النَّفيسة مع الإحساس بجانب الرَّبط والعلاقة بين الفقه والأصول .
وقد استوقفتْني _ أثناءَ قرائتي لكتاب المراقي _ أقوالٌ وآراء للعلامة لمرابط ولد أحمد زيدان في شرحه الموسوم ب ” مراقي السُّعود إلى مراقي السُّعود ” وهو شرحٌ على ألفية العلامة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي رحمه الله في علم أصول الفقه ؛ هي المعتمدةُ في محاضر شنقيط والمقرَّرةُ في معاهد موريتانيا ؛ منذ تأليفها وإلى حدِّ كتابة هذه الحروف .
وقد عُرف العلامة لمرابط ولد أحمد زيدان بحُسن الشرح واختصار العبارة في قالَب الإيجاز وماتعِ الإشارة .
هذا وقد جذَبتْني في شرح مراقي السعود هذا مآخذُ بثَّها لمرابط في تعليقه على المتن إمَّا مُستدرِكاً فيها على الشيخ سيدي عبد الله أو مُصوِّباً لمسألةٍ أصولية ، أو مائلاً إلى غير مقول المؤلِّف مع التَّعليل والتَّمثيل .
وانطلاقاً من هذا المنْحى ، فقد أوْحَى إليَّ الخاطرُ بفكرةِ تدوينِ وجمعِ الأقوال الأصولية التي طرَّزَ بها لمرابط توشيحَه على متن المراقي ، مرادي فيها تقريبُ تلك الأقوال ، وقصدي منها تسهيلُ الرجوع إليها عند الحاجة والبحث .
وبناءً على هذا فقد جمعتُ الأقوالَ التى ذكرَ الشيخُ في مراقي السعود وأحلتُ عليها بالرَّقم والصفحة تسهيلاً للاطِّلاع عليها لمن أرادَ ذلك .
ولستُ ذاكراً من الآراء الأصولية إلاَّ التي نصَّ لمرابط في شرحه على وجْه الاستدراك فيها ، أو التي بيَّنَ أن تمثيل المؤلف أو ذكرَه لقولٍ معيَّنٍ ليسَ مُسلَّماً له به .
وهي آراءٌ ووقفاتٌ شمِلتْ مُختلفَ أبوابِ علم الأصول بدءً بكتاب أصول الفقه ، مروراً بمسالك العلل ومواطن القياس ، وانتهاءً بباب الاجتهاد والتقليد في الفروع .
وبهذا يُعلم أن هذا النوع من المناقشة الأصولية من المباحث النادرة والمطالب الثمينة التي تُقطعُ من أجلها القفارُ ، وتفْنى في سبيل طِلابِها المُهجُ والأعمارُ ، لا سيَّما إذا كانتْ تلك النقاشاتُ صادرةً ممَّن أشارتْ إليه بالعلم الأصابعُ والبَنان ، وبلغَ في الفهم والتدقيق غايةَ الزَّمان .
إذا ما أجالَ الرَّأيَ أدرَكَ فكرُه
غرائبَ لم تخطُرْ بِبالٍ ولا فكْرِ
فأردتُّ تقييدَ تلك الشوارد ، ورقمَ هذه المحاسن والفرائد ، أشدو بها الانتفاعَ لنفْسِي ، وآمُلُ أن تلجَ عظمي ورأسِي ، ثم أرجو تكون عوناً لطلبة العلم ومبتغِي المعرفة الأصولية .
والمنهجيةُ التي اتَّبعتُها في هذا البحث ذكرُ البيْت من ألفية مراقي السعود ، مُشيرا بكلِّ اختصارٍ إلى الفائدة الأصوليَّة فيه ليكونَ القارئُ على اطِّلاعٍ بالمعنى الأصوليِّ للبيْت قبل أن يكونَ أوَّل ما يرنو إلى ناظِرِه إشكالُ الشارح ، ثم شفعتُ باسْتدراك لمرابط على ذلك المحلِّ موضِّحاً الرَّأيَ الذي مالَ إليه ، أو ذاكراً وجه الإشكال عندَه ؛ ممَّا استدركَه لمرابط أو ناقش فيه ، ناقلاً عبارتَه بلفظِه وذاكراً اعتراضَه بحرفِه .
■ *الآراءُ الأصولية وأوجُه الاستدْراك*
1_ ● والعلمُ والوُسع على المعروف
شرطٌ يعُمُّ كلَّ ذي تكليف
وفي البيت أن الأصوليين متَّفقون على اشْتراطِ العلم والطاقة في التَّكليف بالعبادات ، بخلافِ العاجز والمُكرَه
فما كان خارجاً عن طاقة المكلَّف لم يكن مُخاطَبا به وهو إطلاق الشيخ سيدي عبد الله
واستدراكُ لمرابط ولد أحمد زيدان على هذا القول هو بما حكاه المؤلف في موضع آخر ، حيث قال لمرابط : [ قلتُ : ما مشى عليه المؤلف هنا مناقض لما يأتي له عند قولِه : وجُوِّزَ التَّكليفُ بالمُحال ” ]] . [2]
وواضحٌ جدًّا هو وجهُ الإشكال هنا إذ حكمَ سيدي عبد بعدم التكليف مطلقا بالنسبة للعاجز ، وهو الشيء الذي أجازه في موضع آخر من الكتاب ؛ فكأن لمرابط يُنبِّه على فوات هذا القيْد على الشيخ سيدي عبد الله .
2_ ● بمانعٍ يَمنعُ للدَّوام
والابتداء أو آخَر الأقسام
أو أوَّلٍ فقط على نزاعِ
كالطَّوْل ، الاستبراء ، والرَّضاع
من القواعد الفقهية الخلافية ” هل الدَّوامُ كالابتداء “
وهذا الدَّوامُ أنواعٌ ، منه مانعُ الابتداء دون الدوام ومثِّل له سيدي عبد الله بالطَّوْل وهو الغنى ، فإن الغنيَّ يحرُم عليه الزواج بالأمة ابتداءً بخلاف الفقير إذا خافَ الزِّنى
ولكنِّ تمثيل الشيخ سيدي عبد الله بالطَّول غيرُ مُسلَّم ، بلْ هو مُشكلٌ مُتردِّدٌ بينَ الرِّضاع وبين الاستبراء ؛ وهو ما قصدَه لمرابط بوجه الإشكال والاستدراك حين قال :
[[ وفي تمثيله بالطَّول نظرٌ ، لأنَّا إن فرَّعنا على أنه يمنعُ الدَّوامَ صار كالرَّضاع ، وإن فرَّعنا على الآخَر صارَ كالاسْتبراء ، فالأوْلى تمثيلُه بالطَّلاق فإنه يمنعُ الدوام على الزوجة ، ولا يَحرُمُ على زوج البائن نكاحُها ابتداءً ؛ لكن يُعكِّرُ عليه قولَه : بلا نزاع ، فالحاصلُ أن وجود مانعٍ من الدوام على نزاع ، ولا يمنعُ الابتداءَ مُشكل ، فجمُعُ المؤلف بين : فقط ، وعلى نزاع مُشكلٌ ]] . [3]
3_ ● والشرطُ في الوجوب شرطٌ في الأدا
وعزوُه للاتِّفاق وُجدا
يُشترطُ في وجوب الأداء أن يكون مقدُرواً للمكلَّف ، وهذا الشرط لازمٌ ، ولا يخرجُ من هذا القيد شيءٌ ؛ غيرَ أن الناظم خرَّج منه الغافلَ والنائمَ [[ وهذا التقريرُ متعيِّنٌ ، وإن كانَ خلافَ ظاهر المؤلٍّف بسبب جعْله في الشرح عدمَ الغفلة والنوم مثالا لشرط الأداء ]] . [4]
4_ ● يُبنى على القضاء بالجديدِ
أو أوَّل الأمر لدى المُجيدِ
مصطلحُ ” الصِّحة ” من المصطلحات الأصولية المتدوالة ولها تعريفان رئيسيان : تعريفٌ عند المتكلمين وتعريفٌ عند الفقهاء .
ومنشأ هذا الاختلاف في التعريف خلافٌ أصوليٌّ معروفٌ هو ” هل القضاءُ بالأمر الأول أو بالأمر الجديد “
وقد حكى العلامةُ سيدي عبد الله مطلق الخلاف في المسألة ؛ ثمَّ رجَّحَ شطرَ الخلاف في موضع ، وضعَّفه في موضع آخر وهو الأمرُ الذي دعا لمرابط ولد أحمد زيدان إلى بيان الاستدراك على حكاية الشيخ سيدي عبد الله الترجيح لأحد القوليْن في موضع غيرِ مشهورٍ فيه الترجيحُ
وهو ما عبَّر عنه لمرابطُ في تعليقه على البيت السابق :
[[ قلت : تأمَّلْ كلامَ هذا الوليِّ المحقِّق ، فإن كون القضاء بالأمر الأول ممَّا أتى له أنه مذهبُ غيرِ الجُمهور ، وجعَلَه هنا مبني مذهبهم ، وكونُه بأمرٍ جديدٍ سيأتي أنه مذهبُ الجمهور ، وجعلَه هنا مبني مذهب غيرهم ، فإن قلتَ : لا غرابة في بناء مشهورٍ على ضعيف ، قلتُ : هذا لا يُفيد حتى يُقال أيضا : ولا غرابة في بناء ضعيف على مشهورٍ ، ولم أقف عليه ]] . [5]
5_ ● وتلك في المأذون جزما توجد
وغيره فيه لهم تردُّدُ
أباحَ الشرعُ الرُّخصة والتي هي الانتقالُ من صعوبةٍ إلى سهولةٍ مع قيام الموجب الأصليِّ ، فهي فرعُ العزيمة
ولذا حصلَ فيها الخلاف القائلُ بشمول الأحكام التكليفية للرخصة قياساً على العزيمة ، وهو ما ذكرَه الشيخ سيدي عبد الله في قوله ” المأذون جزماً توجدُ “
غير أن لمرابط ولد أحمد زيدان لم يسلَّم ذلك ؛ بل جعل محلَّ الخلاف غيرُ ما ذكرَه الأصولييون فقال :
[[ قلت : وفيه عندي شيءٌ لأن العاصيَ بسفره كالمُحارب وصاحب السفر المكروه كاللَّهو صلاتُهما مثلا : لا يُقال إنها غيرُ مأذونٍ فيها حتى يُقال هل تدخلُ فيها الرُّخصةُ أم لا ؟ بل عدمُ الإذن في سفَرِهما
فالأحسنُ على هذا أن يُقال هل تُبطلُ المعصيةَ الرخصةَ أو لا ؟ قال في المنهج :
هل أبطلَها معصيةٌ : كسفَرٍ لُبسٍ وهلْ
كذا كراهةٌ تردُّدٌ نقل ]] . [6]
6_ ● وقيل ذا فحوى الخطاب والذي
ساوى بلحْنِه دعاهُ المُحتذِي
المنطوقُ المفهومُ مصطلحان من مصطلحات دلالات المباحث والألفاظ ، تدورُ على رحاهُما أحكامٌ كثيرةٌ
والمفهومُ هو استعمالُ اللفظ في غير محلِّ النطق ، وعلى هذا فهو درجاتٌ ؛ منه المساوي له في الحكم ومن هو أولى منه في الحكم والاعْتبار .
وقد حاول الشيخ سيدي عبد الله نظمَ عابرة السبكي في جمع الجوامع ؛ ولكنه جمعَ بين حكميْن مختلفيْن حسَب اعتراض لمرابط عليه بذلك ، فألقِ سمعَك إليه تجدْ شفائك : [[ فوقعَ في تعبيره ما اللهُ أعلمُ به ، لأن شرحَ الموافقة بما ذكرَ لا يتبادرُ إلى الذِّهن منه أنه المُساوي لا يُسمَّى لحنَ الخطاب حتَّى يُقال : وقيل ذا ]] . [7]
7_ ● وافْعلْ لدى الأكثرِ للوُجوبِ
وقيلَ للنَّدب أو المطلوبِ
اختلفَ الأصولييون كثيرا في مسألة حمل الأمر المجرَّد من القرائن على الوجوب أو على الندب حتَّى توقَّف الإمام الشاطبي رائدُ هذا العلم حيرانَ لتكافؤ الأدلة
وقد ذهبَ بعضُ الأصوليين إلى أن الأمر قدرٌ مشتركٌ بين الوجوب وبين الندب وهو معنى قوله ” المطلوب “
وبيانُ ذلك أن المشترك الأصوليَّ هو جمع معنيْن في لفظٍ واحدٍ ، ولكن لمرابط فسَّر المطلوب في البيت بتفسيرٍ مغايرٍ للمُتبادر إلى الذهن [[ قلت : يُفهمُ من كلام المحلِّي في مسألة المشترك أن المعنى المشتركَ هو المعروفُ عند المناطقة بالمتواطئ ]] . [8]
8_ ● دخولُ ذي كراهةٍ فيما أُمرْ
به بلا قيْدٍ وفصلٍ قد حُظِرْ
هل المكروهُ داخلٌ في المأمور به أم لا ؟!
في هذا خلافٌ بين أهل العلم مبناه على اعتبار الفصل بين المأمور والمأمور به وعدم الاعتبار بينهما
فَرأى الشيخ سيدي عبد الله رحمه الله عدم دخول المكروه في الأمر ؛ وهو الأمرُ الذي لم يرُقْ للمرابط
[[ قلت : كذا للمؤلف ، وفيه نظرٌ فإن التفصيلَ بين خلُوِّه من الفصل وعدمِه إنما هو لأن يصحَّ أوْلا يصح ، لقوله هو بعد هذا : وإن يكُ الأمر عن النهي انفصل … لا في عدم دخوله في الأمر ]] . [9]
9_ ● أمَّا قرانُ اللفظ في المشهورِ
فلا يُساوي في سوى المذكورِ
والمعنى أن القِرانَ بين جُملٍ أو جُملتيْن في نظم الكلام لا يقتضي ضرورةً المساواة بينهما في الحُكم
وقد نقل الشيخُ سيدي عبد الله رحمة الله عليه أن عطفَ اللفظ العامِّ على ما عامٍّ قبلَه لا يُفيد عمومه دائما
وبهذا يكونُ هذا الأخيرُ شبيهاً بالأول من حيثُ عدم إفادة التَّساوي بين الحُكميْن فكأنه هو على رأي لمرابط خلافا لسيدي عبد الله [[ قلت : لعل هذا أعمّ من قوله : قبلُ : والذي عليه انعطفا ، فيُغني عنه إلاَّ لنُكتةٍ ]] . [10]
10_ ● فجعْلُ مسكينٍ بمعنى المُدِّ
عليْه لائحٌ سمات البُعد
ذهبَ الإمام أبو حنيفة إلى جوازِ إعطاء المسكين الواحد ستِّين مُدًّا في كفارة الظِّهار ، خلافاً للجُمهور .
وقد انتصرَ لمرابط ولد أحمد زيدان لرأي الأحناف بدليل مصلحيٍّ [[ قلت : ولعلَّ إضافةَ طعامٍ تفيسرية ، فيجوزُ عندهم إعطاؤه لواحدٍ في ستٍّين يوما ، لأن القصد دفعُ الحاجة ، ودفعُ حاجة الواحد في ستِّين يوماً كالسِّتينَ في يوم واحدٍ ]] . [11]
11_ ● والعكسُ في جدارِه ويعفو
والقُرءُ في منع اجتماعٍ فاقفُ
تردُ الألفاظُ الشرعية في ثوب البيان والإيضاح أحيانا ، كما أنها تأتي في ثوب الإجمال والاشتراك أحياناً أخرى .
وفي هذا الاشتراك اللفظيِّ والإجمال الظاهريِّ في العبارة نقاشٌ نقفُ مع صاحبِ النقاش مبيِّناً وجه نقاشه [[ قلت : ينبغي التأمُّل فيما أخرجَ بهذا القيد هل مشتركٌ لم يتنافِ معنياه ؟ ، ويُبعدُه ما نُقل عن القرافي عند قوله : والمجمل … هو الذي المراد منه يُجهل … من أن كلَّ مُشتركٍ مجملٌ ، وقوله هو فيما سبق : إن يخلُ من قرينةٍ فمجملُ … البيت ، فإن كلامَه هناك شاملٌ لكلِّ مشترك ، ويَحتملُ أن يعني على بُعُدٍ أن المشترك من المّجمل ؛ ومثَّلَه بالقُرء ولم يُمكنه التَّمثيلُ به إلاَّ عند منع القول بالجمع ، لأنه لو لم يمنعْ لكانَ مُتواطئا ، لكن سيأتي للمؤلف المثالُ ممَّا يكفي فيه الاحتمال
ويَحتملُ وهو أظهرُها أن يكون احترازا ممَّا إذا أمكن الجمعُ بين معنييْه ، بأن كان هناك ما يُعمِّمُه ، وقوله : ولا قرينة احتراز مما إذا وُجد ما يُخصِّصُه ، إلا أن هذا هو عين قوله : إن يخلُ من قرينةٍ فمُجملُ ]] . [12]
12_ ● وإن نُمِي للعُرف ما كالطُّهرِ
أو المحيضِ فهو فيه يجري
اختلفَ أهلُ العلم في دخول القياس الأعرافَ والعادات على قوليْن بين أصوليِّي الشافعية والمالكية
ولكنَّهم لم يُشيروا في الخلاف إلى ضبط العرف في الاطِّراد ، فكأنه إذا كان مطَّردا جرى فيه القياسُ اتِّفاقاً
[[ قلت : الظاهرُ لي أن المراد إنما ضبطه الشرع من عادة الناس يُقاس عليه ، فالحيضُ مثلاً والطُّهرُ والحملُ من عادة الناس وضبطَ الشرعُ أقلَّها أو أكثرَها ، ولم يضبطْ ما ينقطعُ عليه تأمل ]] . [13]
13_ ● وقد تُخصِّصُ وقد تُعمِّمُ
لأصْلِها ، لكنها لا تخرمُ
العلَّةُ تابعةٌ لأصلها ، فتبطلُ بإبطالها له ؛ أي أصلها الذي استُنبِطتْ منه لأنه منشأها ، إلاَّ أن في ذلك اعتراضاً محلُّه تخلُّف الإبطال في العلة القاصرة
[[ قلت : كذا للمؤلف ، وفيه نظرٌ تبعا للعبَّادي ؛ وهو مشكلٌ مع التعليل بالقاصرة ، والله تعالى أعلم ]] . [14]
14_ ● منه الموافقُ أصولَ المذهبِ
كسلْبِ الاعبُدِ شريفَ المنصبِ
وحُرمةِ القذرِ والإنفاقِ
على الأقارب ذوي الإملاق
الوصفُ المناسب هو ما وُجد فيه ترتُّب الوصف على الحكم مناسبةً فعمَّ هذا الأوصافَ الضرورية والحاجية والتَّحسينية ؛ مثلُ منع العبد من المناصب القيادية لتخلُّف وصف الحرية ، ولكنَّ هذا إنما هو في ما دونَ التَّناسُب [[ قلت : الظاهرُ لي أن يُقال : ناصحٌ لا يشهد مثلا ، لأنه عبْدٌ ، والعذرةُ يحرمُ بيعُها لأنها نجسة ، فيكونُ المقصود من ترتب عدم الشهادة والحرمة على المناسب وهو العبودية والقذر _ الجريُ على ما عُهدَ من محاسن الأخلاق ، وكذا يُقال في ترتُّب النفقة على الأمومة ، والله تعالى أعلم ]] . [15]
15_ ● ويقتدِي من عمَّ بالمُجتهدِ
منهُم ، لدى تحقُّق المعتمدِ
يجبُ على كلِّ من لم يبلُغ درجةَ الاجتهاد أن يقلِّدَ مجتهدي الصحابة ، وهو كلامٌ ظاهرُه الإطلاق
بيْدَ أن المحققين من الأصوليين قيَّدوا ذلك بما إذا كان مذهبُ الصحابيِّ مدوَّنا ، وهي خصلةٌ كثُرتْ في التابعين ، فوجبَ تقليدُهم دون الصحابة لعدم تدوين مذاهبهم ؛ [[ قلت : يجبُ حملُ كلامه على غير هذا الزمن ، لأن الحطَّاب نقل عن القرافي الإجماعَ على منع تقليد غير المجتهد للصحابي ، فانظره عند قول خليل : على مذهب الإمام مالك بن أنس… ]] . [16]
16_ ● أمَّا التَّمذهبُ بغيْرِ الاوَّلِ
فصُنعُ غيْرِ واحدٍ مُبجَّلِ
لا يُمنعُ على الإنسان الانتقالُ من مذهب إلى مذهبٍ آخر
ولكن هذا الإطلاق أيضا ليس في محلِّه لأنه خاصٌّ بمن كان في مرحلة الاجتهاد دون المقلِّد ؛ وهو ما أفاده التقييد لهذا الكلام في إيجاب التقليد على القاصر عن الاجتهاد :
ثُمَّ التزامُ مذهبٍ قد ذُكرا
صحَّةُ فرضه على من قصُرا
وهو ما أحسن لمرابط استدراكَه وحُسن تقييده على الناظم ؛ [[ قلت : ينبغي التأمُّل في هذا الجزم بالجواز ، مع قوله : وذو التزام… ، ويُمكنُ عندي أن يكون كالحُجة للقول الأول ، أو الانتقال فيما تقدم في مسألة ؛ وهنا انتقلَ عنه أصلاً والأول أظهر ، وعليه يكون قولُه أن ينتقلَ شرطٌ رابع ]] . [17]
هذه نبذةٌ من الآراء الأصولية والوقفات العلمية التي نثر العلامةُ لمرابط ولد أحمد زيدان فوائدَها ، واسْتنطقَ أوجُهها في صفحاتِ شرْحه على المراقي فازَّيَّنتْ بها أوراقُ الكتاب ، وجمُلتْ بها مضامين الطرَّة والخطاب .
ولا أدَّعي أنني حصرتُ فيها الأقوال الأصولية _ له _ بالتمام ، بل ربما قد يكونُ شردَ عن ذهني من إشكالاتٍ ، واستدراكاتٍ وإثاراتٍ ما لم أهتدِ إليه
وإنما نبَّهتُ على ما ساعدَني القدرُ على إدراكِ وجهه ؛ وركَّزتُ على ما اتَّضحَ لي أنه رأيٌ أضافَه _ لمرابط _ إلى صرح كتاب المراقي ، ورصَّع بها رفوفَ تعليقه عليه .
ولا يزالُ البابُ مفتوحاً لمن أراد زيادةَ لبِنةٍ إلى جانب هذه الآراء ، وإضافة معنى ورأيٍ لم يُذكر قبل {{ فإذا كانتِ العلومُ مِنحاً إلهيةً ومواهبَ اختصاصية ، فغيرُ مستبعدٍ أن يُدَّخرَ للمتأخِّرين ما عسُرَ على كثيرٍ من المتقدِّمين }} .
بقلم : محمد المصطفى ولد الطلبة ( أهل أحمد زيدان )
____________________________
[1] النصيحة على شرح خليل / ج2 / ص / 245
[2] مراقي السعود إلى مراقي السعود ص/ 67
[3] المراقي : ص 73
[4] المراقي : ص / 77
[5] المراقي : ص / 78
[6] المراقي : ص/ 85
[7] المراقي : ص / 108
[8] المراقي : ص/ 149
[9] المراقي : ص/ 170
[10] المراقي : ص / 218
[11] المراقي : ص / 235
[12] المراقي : ص / 239
[13] المراقي : ص / 313
[14] المراقي : ص/ 334
[15] المراقي : ص / 352
[16] المراقي : ص / 402
[17] المراقي : ص / 460





