sliderالأخبار

مشهد جديد في موريتانيا(3)

يبدو أن الجهات المسؤولة عن تأمين قصر العدل وتنظيم الساحات حوله وداخله ؛ وداخل قاعة محكمة الفساد تقيم أداءها كل يوم ؛ وتطوره على أساس ملاحظاتنا كحضور مراقب يغطي كل تفصيل خارج وداخل المحكمة.

كان ذلك جليا عند وصولي إلى بوابة المحكمة بعد جولة سريعة في المربع كله حولها.
لا تجمهر قريب من بوابة قصر العدل والدخول سلس ؛ والمواقف الداخلية والخارجية القريبة متاحه
لم أضطر لممارسة رياضة المشي اليوم؛ فقد أصبح التوقف في مواقف الجامع العتيق متاحا .

كانت قاعة محكمة الفساد مكتظة تماما ؛ وكان الصوت يصلك وأنت لم تلج بعد بهو المحكمة .

الإجراءات المعتادة بدأت ؛ توجيهات ضبط القاعة والنداء بأسماء جماعة قفص الاتهام التي ازدادت بالمتهم ولد بوبات الذي وصف من طرف رئيس المحكمة في أول يوم للمحاكمة أنه فار من وجه العدالة.

وكان الدفاع كعادته مستعجلا في الانتقال إلى المرحلة الثانية من دفوعه الشكلية ؛ خاصة بعد النداء على المتهم محمد ولد عبد العزيز لمثوله أمام المحكمة لاستنطاقه.

كانت جماعة قفص الاتهمام مختلفة في طريقة جلوس كل واحد منها.

لمحت المتهم الوزير الأول الأسبق يحي ولد حد آمين وهو يتثاءب بين الفينة والأخرى ويضع يده على فمه كما يفعل المتثائب عادة ؛ وكأنه لم ينم جيدا البارحة؛ وتم إيقاظه مبكرا تمهيدا لنقله إلى قفص الاتهام.

لم يكن معتادا على ذلك ؛ فالوزراء الأول في موريتانيا تعودوا على بحبوبة من النفوذ والسلطة ورغد العيش وعدم الخوف من المحاسبة ؛نقيض مايمر به بعضهم اليوم في مشهد جديد بموريتانيا.

كان الوزير السابق ولد وداعه يجلس على يمين ولد حد أمين وكأنه مصر على القرب منه !
بدا الوزير الأول السابق محمد سالم ولد البشير كمن يحضر دعوة لحزب الاتحاد ؛ فقد كان يجلس بأبهة في ثيابه الأنيقة وينظر نحو منصة المحكمة ؛ وأمامه الرئيس السابق وهو جالس على كرسي الاستنطاق ؛ وظهره للجمهور ؛ ولايفوت من يدخل قاعة المحاكمة مشهد صلعته البراقة التي تشبه تماما صلعات بعض فريق دفاعه المطعم بمحامين شباب بدوا أكثر حماسا في التغني بالمدة 93.

عزيز رفض الرد على كرسي الاستنطاق متمسكا بتلك المادة ؛ ليفتح بابا للفيف محاميه بالدفع بعدم اختصاص محكمة الفساد في قضيه ؛ واستمر ذلك التكرار الممل لنفس الطرح الدفاعي ؛ وقد نبه رئيس المحكمة لذلك مطالبا أحد محامي الدفاع بالابتعاد عن التكرار.

كنت أجلس في آخر صف لمحامي الدفاع وعلى يميني بعضهم ؛ وعلى يساري بعض الجمهور الرجالي ؛ مختلف التوجهات،
كان بعض من خلفي من الحضور يعبر عن إعجابه لمن حوله بصوت خافت مسموع عن إعجابه بالشباب الفقهاء في القانون من فريق الدفاع وهم يذكرون أرقام مواد دستورية وقانونية يعتبرونها لصالح موكلهم.

خطاب الدفاع خلط بين ماهو منطق قانوني مألوف وبين ماهو تاريخي وديني في اجتهاده طمعا بإقناع رئيس المحكمة أن القضاء سلطة مستقلة تماما ؛ وأن الرئيس السابق الذي هو صندوق الدولة الأسود محصن تماما من المثول أمام أي محكمة غير المحكمة السامية وباتهام من الجمعية الوطنية.

كان فريق الدفاع يأخذ وقته واحدا بعد واحد بطريقة مملة تماما ؛ وكان المتهم الرئيس السابق يستمع لهم وهو يحك بيده اليسرى ذراعه الأيمن من فوق قميصه الأبيض وكأنه يعاني مضاعفات المبيت في سجنه الانفرادي الذي ذكر هو أن الفئران تتخذ ظهره ملعبا فيه.

اتضح لي بعد وقت مر ثقيلا علي وعلى الحضور أن استراتيجية الدفاع عن جماعة قفص الاتهام قد ترتكز على محاور ثلاثة
1محور الدفوع الشكلية المتعلقة ببطلان إجراءات إيداع المتهمين وهم تحت المحاكمة ؛ وهذا المحور تم نقضه تماما من طرف النيابة وفريق الدفاع عن الدولة

2 محور المادة 93والادعاء بعدم اختصاص محكمة الفساد بالملف ؛ وقد يستغرق جلسات عديدة ؛ وكان بإمكان فريق الدفاع تكليف زميلين من الفريق بالمرافعة في الموضوع بدل تضييع وقت الحكمة والجمهور في نفس نسق الدفاع المكرر ؛ لكن يبدو أن عامل تمطيط الوقت جزء من أسلحة الدفاع.

3 المحور الثالث هو انسحاب متوقع مستقبلا لفريق الدفاع بصورة كاملة بحجة أن المحكمة غير عادلة لأنها لم تقبل دفوعهم الشكلية ؛ ولن يؤثر ذلك على سير الجلسات ؛ فستتواصل الحاكمة إلى أن تصل لجلسة النطق بالحكم .

والملاحظ لجوء أطراف القضية إلى الإعلام لتسويق ماعجزوا عن تمريره بالمحكمة ؛ فالدعاية السياسية والحقوقية جزء من ترسانة عالم اليوم .

هل سيصمد المتهم الرئيس السابق أمام المحكمة والادعاء العام طويلا لائذا بصمته وهل سيكون ذلك لصالحه؟
لا أظن ذلك أم هل سيستغل الفرصة الذهبية للدفاع عن نفسه وتبرير المحجوزات التي هي جوهر دليل إدانته لدى النيابة العامة والمحكمة ؟

فالمحكمة بقوانينها الضابطه لعملها مختلفة تماما عن مرحلة النيابة والتحقيق ؛ والاتهامات الموجهة له ولمن معه جدية ؛ والعالم كله يتابع المحكمة باهتمام.
كان توثيق المحاكمة بالصوت والصورة أفضل وأكثر أثرا من منع تصويرها .
إن فيديو موثق لها يوزع على الحكومة ورجال الأعمال والرأي العام سيكون له أثر ردعي أكثر من مليون مقال.
فلماذا لا يأذن للأعلام بالتصوير ؟

المستشار عبد الله ولدبونا

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى