أهداني والدي، بباه التراد نسخة من مؤلفه بحلته الجديدة :
“مقالات كاشفة: خفايا تنازع الوجود وإعاقة الانبعاث”،
ولأني لست إلا قارئًا محبًّا للمطالعة، لا أُحسن تقويمًا علميًّا، ولا أزعم امتلاك أدوات القراءة الأكاديمية، فقد آثرت أن أكتفي بما يمكن أن يسمى خواطر قارئ، لا أكثر.
خواطر ولّدتها الحروف، وأثارتها المواقف، واستفزها فيض الألم والأمل بين سطور هذا العمل الذي تشاركت معه جلسة شاي أمتعتني.
ففي زمنٍ تتكاثر فيه الكتابات وتتضاءل القيمة، يأتي هذا الكتاب كفسحة فكرٍ وتأمل، تنتمي إلى الأدب الملتزم، لا بمعناه السياسي فقط، وإنما التزامًا نحو الحقائق، نحو الوطن، ونحو الإنسان.
العنوان وحده كان كافيًا لشدّ انتباهي:
مقالات كاشفة…
أي أن وراء الكلمات ما يُكشف، وما يُقال، وما يُخشى ألا يُقال. ثم تلك العبارة الطويلة المربكة بعض الشيء: “خفايا تنازع الوجود وإعاقة الانبعاث”…
عبارة ترسم خارطة توتر دائم، بين من يريد لهذه الأمة أن تنهض، ومن يصرّ أن تبقى مثقلة بقيودها، حائرة في ظلّها.

هو خيط سردي غير معلن، يجمع بين المواقف الفكرية، والتجارب الشخصية، والرؤى الإصلاحية، لينتج نصًا عابرًا للزمن، يتجاوز المناسبات والظروف، ويقارب ما هو أعمق.
منذ سطره الأول، يعلن الكاتب عن وعيه الديني الحاضر، وعن نيّته في أن يكون قوله سديدًا، في استدعاء واعٍ للآية: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا…}. ومن هنا، يبدأ مشروعه الكتابي من منبع أخلاقي واضح أن يكتب بصدق، لبناء موقفٍ متين وذلك لأنه لا يكتب من فراغ، ولا ينطلق من مجرد انفعال، بل من أرضية صلبة: تكوين شرعي وأصولي، واطلاع واسع على الفكر السياسي والقانوني، وخبرة في الحقل العام. لذلك، فإن القارئ يقف أمام رؤية مؤسسة، غالبًا ما تستند إلى تاريخ، أو نص، أو تجربة.
وفي كل مقال، يحضر الكاتب كشخصية فاعلة: إما كشاهد، أو كمجرب، أو كمؤوّل مسؤول، لا كمُراقب خارجي. هذه الذات الحاضرة لا تطغى على الموضوع، لكنها تمنحه حرارة ومصداقية، وتجعل من كل فقرة، شهادة لها ثقلها.
تكشف هذه المقالات عن هاجس جوهري: الهوية.
قضية سيادية، تبدأ من اللغة ولا تنتهي عند التربية. فالمحضرة، والعربية، والإسلام، تشكل أضلاع المثلث الذي يُصرّ الكاتب على أنه لا يمكن لأي مشروع وطني أن يستقيم من دونه.
وقد لخّص ذلك في عبارة بالغة الدلالة: “هوية البلد هبة المحضرة”. فقد جعل من التعليم التقليدي مادةً لبناء السيادة الثقافية، وخط دفاع ضد الغزو الرمزي والاستلاب. ومن هنا، فإن دفاعه عن اللغة العربية ليس انعزالًا قوميًّا، بل كان استعادة لأداة الوصل الحضاري والرسالي.
وإلى جانب الهوية، تنبض هذه المقالات بهمّ اجتماعي ملموس. فهو يكتب عن التأمين الصحي، وعن الجاليات، وعن ذوي الإعاقة، وعن الرعاية الاجتماعية، من منطلق الواجب لا الشفقة، ومن منظور الدولة لا التبرعات. هذه المقاربة الجادة، المتأصلة في روح الإسلام وروح العصر، تمنح الكتاب بعدًا إنسانيًا، يرفعه عن مجرد التنظير إلى خطاب تغييري.
أما من ناحية أسلوب النص ولغته فإنه كتب بلغة عربية رصينة، ناصعة، محكمة، غير متعالية. يسير القارئ في فقراتها وكأنه يسمع جرسًا خافتًا من البلاغة ، ممزوجًا بنَفَس الصحافة الجادة، وروح المقال الأدبي.
ويتميّز الكاتب بحسّ استشهادي أنيق: فلا تخلُ المقالات من آيات، أو أحاديث، أو مأثورات، أو أقوال فلسفية وأدبية تُخضِع السياق لا العكس، مما يشي بتكوين معرفي متنوع وأصيل في الوقت ذاته.
وفي النهاية فإن هذه مجرد خواطر قد لا تحيط بكل ما في الكتاب، لكنها حملت ما تركه في النفس من أثر، مما تيسر للقلم أن يبوح به،
فشكرًا للمؤلف على هذه الهدية…





