في الوقت الذي تخطو فيه بلادنا خطوات واثقة نحو تعزيز كينونتها كدولة مؤسسات وحريات، تطالعنا بين الحين والآخر تصريحات تثير الكثير من الاستغراب؛ ليس لأنها تحمل رأياً مخالفاً ـ فالاختلاف في الرؤى ظاهرة صحية ـ بل لأنها تجافي الواقع وتصطدم بحقائق التاريخ والجغرافيا الاجتماعية التي صهرت مجتمعنا الموريتاني في بوتقة واحدة عبر القرون.
لقد توقفت بدهشة، ومعي الكثير من متابعي الشأن العام، أمام تصريح الأستاذ الفاضل الساموري ولد بي، الذي آثر استدعاء نموذج ، رواندا ، المأساوي وإسقاطه قسرا على واقعنا المحلي.
إن هذا الطرح، بما يحمله من أوصاف، يمثل استدعاء لخطابات الكراهية التي لا تخدم السلم الأهلي، ويتجاهل بوضوح مسار بناء دولة المواطنة وتعزيز لحمة المجتمع، ونشر قيم التسامح والعيش المشترك التي تميز شعبنا.
إن ما تناساه الأستاذ الساموري هو أن بلادنا، بفضل قيادتها الوطنية الحكيمة والأمينة على سلمنا الأهلي، وبفضل دبلوماسيتها الرزينة ومصداقيتها الدولية، أصبحت رقما محوريا في المحافل العالمية. فالمؤسسات الوطنية، الأمنية والدبلوماسية، التي تجوب مناطق الصراع في قارتنا لنشر السلام، هي ذاتها الضمانة الراسخة لنشر قيم الوحدة والوئام؛ بما يؤكد إصرارنا على مناهضة خطابات الكراهية المقيتة والهدامة، ليعيش مجتمعنا في سلام كما خلقه الله.
وعلى ذات النهج الذي يبتعد عن الموضوعية، تأتي تدوينة معالي الوزير السابق الأستاذ محمد ولد بربص، لتقدم قراءة ملتبسة تزعم ازدراء مكونات وطنية والدوس على كرامتها. وهو طرح يفنده الواقع الملموس ، حيث تتبنى الدولة نهجاً وطنيا راسخا يقوم على حماية جميع المواطنين دون استثناء، وصيانة حرياتهم وكرامتهم كحقوق مقدسة لا تقبل المساس.
إننا نعيش اليوم مرحلة متقدمة من تكريس المساواة في الفرص التي يمنحها الوطن لأبنائه، ليكون المعيار الوحيد للمشاركة في بناء صرحنا الوطني هو الكفاءة والعطاء.
وتعد المدرسة الجمهوري اليوم هي حجر الزاوية في هذا المشروع الوطني ، فهي المصنع الذي يصهر الأجيال ويحررها من رواسب الماضي، لتكريس الوحدة الوطنية ونشر قيم التسامح.
إن معالجة أي ملاحظات اجتماعية يجب أن تمر حصرا عبر بوابة تعزيز التماسك الوطنية ، فالانخراط في مشروع بناء الإنسان هو السبيل الوحيد لصون مكتسباتنا ، فموريتانيا أكبر من كل التوصيفات الضيقة، وقوتها كانت وستظل في وحدة تنوعها وسمو قيمها الإنسانية.
بقلم: محمد ولد سيداتي






