لم يعد نهائي كأس رئيس الجمهورية في موريتانيا مجرد مناسبة رياضية، بل تحول مع الوقت إلى مرآة تعكس مزاج الشارع وحجم الاحتقان الشعبي. إن هتافات “زيرو… زيرو” التي ملأت المدرجات سابقاً بحضور رئيس الجمهورية، ليست موجّهة إلى اللاعبين، بل هي رسالة سياسية واجتماعية اختزلت شعور قطاع واسع من المواطنين تجاه الواقع المعيش. في لحضة لم يكن الجمهور يناقش نتيجة مباراة بقدر ما كان يستثمر حضور أعلى هرم في السلطة لإيصال صوته، وبالفعل اكتسب المشهد حساسية خاصة دفعت لاحقاً إلى إبعاد رئيس الجمهورية عن حضور احتفالية التتويج، وإسناد المهمة إلى الوزير الأول المختار ولد اجاي، الذي وجد نفسه في مواجهة مباشرة يوم أمس مع الهتاف ذاته، لكن هذه المرة ضمن مشهد رسمي مرتبك حاول التعامل مع الرسالة باعتبارها مجرد تفاعل رياضي عابر.
إن ما يحدث في كل تتويج بكأس الرئيس أعمق من اختزاله في لحظة عابرة؛ المدرجات تحولت إلى حيز نادر للتعبير الجماعي في وقت باتت فيه مساحات النقد أكثر ضيقاً، خصوصاً في الفضاء الرقمي الذي تحاصره القوانين والرقابة والخوف من الملاحقة. هناك فقط، وسط الضجيج الجماعي، توجد فسحة لقول “زيرو” دون أن يتحول أحدهم إلى هدف فردي مباشر.
إن “زيرو” ملعب شيخا ولد بيديا ليست فقط وصفاً لعقم هجومي داخل الملعب، بل هي توصيف شعبي لواقع يعتبره كثيرون صفرياً في الخدمات والتنمية والاستجابة لهموم الناس. وربما لهذا السبب بالذات بقي الهتاف حاضراً في الذاكرة العامة، يُستحضَر في كل موسم ليعبّر بوضوح عما تعجز عن استيعابه الفضاءات الأخرى؛ لأنه في كرة القدم وحدها، يوجد مصطلح اسمه “الروح الرياضية”.
محمد نعمه عمر





