sliderالمبتدأ

المحاصصة أم التمييز الإيجابي؟

الشيخ أحمد ولد الزحاف

إن كل الواعين بالمشكل الاجتماعي، وما قد تنتهي إليه معالجته، إما الإيجابية التي تفضي إلى الوحدة والانسجام والتضامن الوطني واللحمة الاجتماعية في إطار دولة العدل والقانون، وإما الإبقاء على حالات الغبن والإقصاء والتهميش التي تكتوي بنارها أغلبية فئات الشعب، يتحملون مسؤولية جسيمة وتاريخية تجاه المجتمع.

فالتراتبية التقليدية، وفشل أو غياب سياسات الاندماج والتكفل بالمحتاجين وضحايا الفقر والتهميش، بصرف النظر عن انتمائهم العرقي أو الشرائحي، هي السبب في استفحال انعكاسات المشكل الاجتماعي.

إن من يتناول هذا الموضوع من منظور وطني يحافظ على وحدة كل المكونات العرقية والاجتماعية، يلزمه البحث بجدية عن الحلول التي تجنب البلاد انتشار التطرف والكراهية، وكل النزعات الخصوصية الهدامة التي تهيئ الأعراق والشرائح للجفاء والصدام والمواجهات التي لا تُحمد عقباها.

لذلك ما زال المتشبثون بالمقاربة الوطنية الشاملة، بعيدا عن النزعة الشرائحية، يتأرجحون بين مقاربتي المحاصصة والتمييز الإيجابي.

لا أريد في هذا المقال أن أتوقف عند التعريف والحفر الأكاديميين لمفهومي المحاصصة والتمييز الإيجابي، بل إن معالجتي لهذين المفهومين وتطبيقاتهما في الواقع ستتحدد بها المعاني والدلالات التي أقصد بهما.

إن الفئات الاجتماعية التي ما زالت تعاني من الإقصاء والغبن، والطامحة للمشاركة في الحياة العامة، سواء في القطاع العام أو الخاص، ليس لها من سبيل للحصول عليها إلا من باب: إما المحاصصة، وإما التمييز الإيجابي.

لقد تعالت أصوات كثيرة تطالب بإنصاف أبناء وبنات تلك الشرائح، وظل تشكيل الحكومات والمراسيم الرئاسية المتعلقة بالتعيينات وبيانات مجالس الوزراء مناسبات يعبر فيها هؤلاء عن امتعاضهم من مستوى حضورهم في الحكومات والإدارات المركزية في الوزارات، وإدارات المؤسسات، والبعثات الدبلوماسية، معتبرين أنه كلما تطلعوا إلى الترقية بمقتضى التمثيل أو التجربة أو الكفاءة العلمية، كلما لاحظوا أنهم في الواقع مواطنون من الدرجة الثانية.

ويتجاوز هذا الشعور انتماءهم للموالاة أو المعارضة، ولهذا الحزب أو ذاك.

فكلما حدثك أحدهم، إذا به يشكو — على حد قوله — من التهميش أو الإقصاء، وكثيرا ما يطلعك كل واحد منهم على قصته الخاصة التي هي قصة ظلم، لأنه تم تفضيل شخص آخر لهذا الموقع أو ذاك، رغم أحقيته من حيث الأقدمية أو الكفاءة.

إن هذا الجانب من المشكل الاجتماعي، إذا ما انضاف إلى جوانب أخرى قد تناولتها في مقال آخر، قد يتسبب الاستياء الناتج عنه في عواقب غير محسوبة بالنسبة للتضامن الوطني واللحمة الاجتماعية.

وتجدر الإشارة إلى أن الأمر لا يتعلق بشريحة أو فئة اجتماعية بعينها، وإنما يتعلق بكل الفئات والمكونات الوطنية. فتجد من يشكو من التهميش الذي تسبب فيه أبناء عمومته أو قبيلته المتنفذون، وكذلك من يبحث عن شغل بسيط أو المشاركة في مسابقة، فلا يجد من أقرب المقربين من يساعده.

ولا يجد الكثيرون من مبرر لغبنهم وإقصائهم سوى أنهم ينتمون إلى هذا العرق أو هذه الفئة أو هذه الطائفة السياسية، أو أن لونهم هذا، أو أنهم ليسوا أصحاب حظوة أو نفوذ في مجموعتهم القبلية.

إذا كان ما أوردناه يتعلق بالقطاع العام، فمابالك بالقطاع الخاص الذي، رغم السياسات والاستراتيجيات المنجزة من قبل الحكومة، والقاضية بقدرته على استيعاب وتوفير الكثير من فرص العمل، لا يمكننا مع ذلك أن نجد إحصائيات دقيقة عن مستوى إسهام القطاع الخاص في التشغيل.

وما يوفره هذا القطاع من فرص للعمل يبقى في حدود العلاقات الأسرية والقبلية لرب العمل.

أضف إلى ذلك أن أبناء تلك الفئات لم يحصلوا على ما توفر لغيرهم طوال العقود الماضية من التسهيلات المتمثلة في الرخص والقروض والمنح والعقود والصفقات التي باتت مصدرا للثروة.

قد يتبادر إلى القارئ مما سلف أنني أدعو للمحاصصة، فأنا بعيد كل البعد عن ذلك لسببين رئيسيين:

أولا: إن في المحاصصة تهميشا وتغافلا عن الترقية الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية للشرائح والفئات المهمشة، وإنها في الواقع مطلب المتعلمين والأطر الطامحين للترقية السياسية والإدارية.

وإذا كان ذلك الطموح مشروعا، فإنه لا ينبغي أن يغطي على الطموح الوطني الذي يكتسي طابعا استراتيجيا يتمثل في انتشال أعداد كبيرة من أبناء شعبنا من حالة الإقصاء والغبن.

فيتعين على كل فاعلي المجموعة الوطنية العمل على إلحاق تلك الفئات بمستوى مثيلاتها، بحيث يخدم المجهود التنموي بالتساوي كل أطياف المجتمع، وتستفيد الأجيال الصاعدة من الريع الوطني، وتتقلص تدريجيا الفوارق، وتتعزز اللحمة الاجتماعية.

ثانيا: نحن في غنى عن المحاصصة العرقية أو الشرائحية، خاصة إذا وضعنا جانبا الزبونية والمحسوبية أو إرادة طائفة أو طبقة السيطرة على مفاصل وامتيازات الدولة. فلا يمكن لأي بلد أن ينهض إلا بكفاءات أبنائه.

ومنذ وقت طويل أصبحت الكفاءات متوفرة في كل مكوناتنا الوطنية العرقية والاجتماعية، وإذا ما روعي معيار الكفاءة العلمية أو التجربة أو غيرهما، فهي موجودة لدى الجميع، وبالتالي لا ينبغي أن تنفرد مكونة بالامتيازات دون الأخريات.

وخلافا للمحاصصة، التي هي في الأصل مطلب للشرائحيين الذين يختزلون المشكل الاجتماعي في التمثيل الذي يخدمهم، يجب أن يحل محلها العدل بين كل المكونات، وذلك حرصا على ألا تتحول الدولة إلى كعكة تتقاسمها الأعراق والشرائح على حساب الكفاءة التي تتوقف عليها التنمية الشاملة بكل أبعادها.

وحتى تترسخ روح الانتماء إلى مجموعة وطنية موحدة، فإن مظاهر الغبن والإقصاء والهشاشة، التي تتوسع بها الهوة بين المتضررين من الفقر والجهل والتخلف والطبقة النافذة الميسورة، لا يمكن مواجهتها إلا بالتمييز الإيجابي.

لكن حتى لا يكون قاعدة دائمة، ينبغي اعتماده مرحليا وفي مجالات محددة، حتى يخرج المستهدفون من أوضاعهم ويلتحقوا — قدر الإمكان — ببقية مكونات المجتمع.

ويتعلق الأمر بكل ما يرتبط بالتنمية القاعدية في مجالات البنية التحتية، والأنشطة المدرة للدخل في النشاطات الزراعية والتجارية والرعوية، والتعليم الأصلي والمعاصر، والتكوين المهني والتشغيل، والصناعة التقليدية، والإنتاج الثقافي والفني والفلكلور الشعبي، وشتى الخدمات، وخاصة الصحية، وحماية البيئة والمحيط الطبيعي، والمشاركة السياسية، والتسيير المحلي.

كذلك، ومن أجل إتاحة فرص الاستثمار لأبناء الفئات الهشة والمغبونة، وارتقائها — على الأقل — إلى صف الطبقة المتوسطة، ينبغي منحهم التسهيلات التي استفاد منها الآخرون، كالقروض والرخص والصفقات، فمثل هذه التسهيلات تدخل كذلك في إطار التمييز الإيجابي.

وإذا كانت مطالبة الأطر وحملة الشهادات — من باب المحاصصة — بالولوج إلى المناصب السياسية والإدارية مشروعة ومطلوبة، فإنها ليست البعد الرئيسي والوسيلة الوحيدة لترقية حقيقية للشرائح والفئات المغبونة.

فيبقى التمييز الإيجابي، في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والنفسية، هو الطريق الأمثل للخروج من الإقصاء والغبن والهشاشة، وهو الذي يخدم — في نهاية المطاف — وحدة واندماج ولحمة المجتمع الموريتاني.

كتب بتاريخ 17 يوليو 2024.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى