لم أفاجأ بخطاب فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني في آدرار، كما لم أفاجأ بمستوى الطموح الذي حملته مضامينه، ولا بحجم الإنجازات التي استعرضها، ولا بحفاوة الاستقبال الشعبي الذي خصصته ساكنة الولاية لفخامته.
ولم أفاجأ كذلك بمستوى التنظيم، ولا برقي المشهد، ولا بذلك الوعي الهادئ الذي ميز حضور أبناء آدرار وتفاعلهم مع الزيارة؛ فالذين يعرفون آدرار جيداً يدركون أن هذه الولاية ليست مجرد مجال جغرافي في الخريطة الوطنية، وإنما هي واحدة من أهم خزانات الذاكرة الوطنية، ومجال تتقاطع فيه الدولة والتاريخ والعلم والثقافة والتجارة والمجتمع.
وقد جاءت زيارة فخامة الرئيس إلى الولاية، في تقديري، أبعد من كونها زيارة عمل واطلاع تقليدية؛ فقد بدت أقرب إلى مراجعة ميدانية للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السياسات العامة وحاجات المجال، وبين ما أُنجز وما ينبغي إنجازه.
فالزيارة تشمل محطات آدرار الأساسية: أطار، وشنقيط، ووادان، وأوجفت، ضمن برنامج يقوم على الاستقبال الشعبي واللقاءات المفتوحة والاستماع إلى المواطنين والاطلاع على البرامج التنموية.
وهنا تحديداً تكمن إحدى أهم دلالات الزيارة.
الدولة الحديثة لا تُقاس فقط بما تبنيه من طرق ومنشآت، وإنما أيضاً بقدرتها على الوصول إلى المواطن، والاستماع إليه، وقراءة المجال الذي يعيش فيه، وتحويل مطالبه إلى سياسات عامة قابلة للتنفيذ.
ومن هذه الزاوية، كان خطاب فخامة رئيس الجمهورية في أطار خطاباً يستحق أكثر من القراءة الصحفية العابرة؛ لأنه حمل في طياته جملة من الإشارات التي تحتاج إلى قراءة متخصصة في الاقتصاد والسياسة العامة والتنمية الترابية والحكامة.
فخامة الرئيس لم يتحدث فقط عن الحاضر، بل تحدث عن تراكم.
والتراكم في علم السياسات العامة أهم من المشروع المنفرد؛ لأن الدول لا تُبنى بالمشاريع المعزولة، وإنما بتراكم السياسات والاستثمارات والإصلاحات عبر الزمن.
وعندما استعرض فخامته حصيلة السنوات الماضية، أشار إلى التعليم والصحة والمياه والكهرباء والطرق والمطار والبنية التحتية، وربط ذلك كله برؤية وطنية شاملة للتنمية. ومن الأرقام اللافتة التي وردت في حديثه أن عدد الحجرات الدراسية التي أُنجزت منذ 2019 إلى نهاية 2025 يقارب 6000 حجرة، مع برمجة 3000 حجرة إضافية خلال 2026، إلى جانب توسع التعليم العالي واكتتاب المدرسين والاستثمار في البنية الجامعية.
وهنا ينبغي أن ننتقل من منطق تعداد الإنجازات إلى منطق تحليل أثرها.
فالسؤال الاستراتيجي ليس فقط: كم مدرسة بُنيت؟
بل: ماذا ستفعل هذه المدارس في بنية المجتمع بعد عشر سنوات؟
وليس السؤال فقط: كم كيلومتراً من الطرق أُنجز؟
بل: كيف ستعيد هذه الطرق تشكيل الحركة الاقتصادية والسكانية والسياحية؟
وليس السؤال فقط: كم متر مكعباً من المياه أصبح متاحاً؟
بل: كيف يمكن للمياه أن تتحول إلى رافعة لاستدامة الواحات والزراعة والسكن والاستقرار؟
هذه هي القراءة التي ينبغي أن ترافق خطاب الدولة.
فالإنجاز التنموي الحقيقي لا ينتهي عند لحظة التدشين؛ وإنما يبدأ منها.
وفي هذا السياق، لفتني في حديث فخامة الرئيس عن آدرار ذلك الربط بين المشاريع القائمة والمشاريع التي يجري التحضير لها. فهناك حديث عن تطوير مطار أطار وتمكينه من استقبال الرحلات في أوقات مختلفة، والعمل على ربط المدينة بالشبكة الكهربائية، وتعزيز مصادر المياه من خلال الآبار العميقة وربط الآبار الموجودة بالشبكة.
هذه ليست ملفات قطاعية منفصلة.
إنها، إذا قرئت من زاوية استراتيجية، عناصر منظومة واحدة لإعادة تأهيل المجال الاقتصادي والاجتماعي لآدرار.
فالطريق يفتح المجال، والماء يثبت السكان، والكهرباء تحرك الاقتصاد، والمطار يربط المنطقة بمحيطها، والتعليم يصنع رأس المال البشري، والسياحة تستثمر التاريخ والجغرافيا، والثقافة تمنح التنمية معناها وخصوصيتها.
وهنا تظهر قيمة آدرار كحالة دراسية تستحق أن تدرس كيف يمكن لمنطقة ذات ثقل تاريخي وثقافي كبير أن تتحول إلى نموذج للتنمية المتكاملة القائمة على خصوصية المجال؟
آدرار لم تستقبل الرئيس فقط… بل قدمت صورتها عن الدولة
أما الاستقبال الشعبي، فلم يكن بالنسبة لي مجرد مشهد احتفالي.
إن قراءة المشهد الاجتماعي في أطار ووادان تكشف عن شيء أعمق: هناك مجتمع يريد أن يُرى ويُسمع، ويريد أن تكون له صلة مباشرة بصانع القرار.
وقد نقلت المصادر الرسمية مشاهد الاستقبال الشعبي الكبير في أطار، حيث اصطف السكان على جنبات الطرق، كما شهدت وادان استقبالاً شعبياً واسعاً، تداخلت فيه الرموز الوطنية مع الفلكلور والتراث المحلي.
وهنا تصبح المناسبة أكبر من بروتوكول.
فالسياسة في جوهرها علاقة ثقة واتصال.
وحين يذهب رئيس الجمهورية إلى المواطن في مدينته، ويجلس مع أطره ووجهائه وشبابه وفاعليه، ويستمع إلى مطالبه، فإن الأمر يتحول من مجرد زيارة إلى آلية من آليات الاستماع السياسي المباشر.
ولذلك أعتقد أن من الخطأ اختزال المشهد في الحشود وحدها.
الحشد قد يكون لحظة عاطفية عابرة، أما قيمة الزيارة فتُقاس بما يأتي بعدها:
هل تحولت المطالب إلى برامج؟
هل تحولت الوعود إلى آجال؟
هل تحولت المشاريع إلى مؤشرات أداء؟
هل أصبح المواطن شريكاً في مراقبة النتائج؟
هنا تحديداً يبدأ الاختبار الحقيقي لأي زيارة رئاسية.
رئيس الجمهورية… وخطاب يحتاج إلى قراءة لا إلى تصفيق
لقد عودنا فخامة رئيس الجمهورية على خطاب هادئ، بعيد عن المبالغة، يقوم في كثير من الأحيان على عرض المعطيات وربطها بالسياق العام للدولة.
وفي خطاب أطار، كانت هناك رسائل متعددة المستويات.
رسالة إلى المواطن: إن الدولة تسمعك.
ورسالة إلى الإدارة: إن المشاريع ليست أرقاماً في التقارير وإنما نتائج يجب أن تظهر في حياة الناس.
ورسالة إلى النخب: إن النقاش حول مستقبل البلاد يجب أن يكون نقاشاً مسؤولاً يتجاوز الحسابات الضيقة.
ورسالة إلى الشباب: إن التنمية المستقبلية لا يمكن أن تنجح من دون الاستثمار في الإنسان.
ورسالة إلى المجال الداخلي: إن العدالة في التنمية لا تعني توزيع المشاريع بصورة حسابية، وإنما تعني فهم خصوصية كل منطقة وتحديد حاجاتها وفقاً لواقعها.
وهذه الرسائل لا تظهر كلها في القراءة الأولى للخطاب.
لذلك فإن خطابات رئيس الجمهورية، في رأيي، تحتاج إلى قراءة أكاديمية متأنية، لا إلى الاكتفاء بتغطيتها إخبارياً.
فالخطاب الرئاسي وثيقة سياسية، والوثيقة السياسية ينبغي أن تُقرأ في سياقها، وأن تُقارن بما سبقها، وأن تُحلل مفاهيمها، وأن تُدرس وعودها ومؤشراتها واتجاهاتها.
آدرار… من الذاكرة إلى المستقبل
ولعل أجمل ما في زيارة آدرار أنها جاءت إلى منطقة تختصر مفارقة موريتانيا كلها:
بلد شديد الارتباط بماضيه، لكنه مطالب بأن يبني مستقبله.
في شنقيط ووادان وأوجفت وأطار، لا يمكن فصل التنمية عن الثقافة، ولا الاقتصاد عن الجغرافيا، ولا الأمن عن الاستقرار الاجتماعي، ولا المستقبل عن الذاكرة.
آدرار ليست فقط واحات وصحراء ومدناً تاريخية.
إنها مدرسة في صناعة الإنسان الموريتاني، ومخزون من المعرفة والتجارة والعلم والترحال، ومجال يمكن أن يكون له دور أكبر في الاقتصاد السياحي والثقافي والواحي والاقتصاد المحلي.
ولهذا فإن الرؤية التنموية لآدرار ينبغي ألا تقف عند حدود الخدمات الأساسية، رغم أهميتها، بل يجب أن تتجه إلى بناء اقتصاد جهوي متكامل يستثمر الخصوصية الآدرارية.
السياحة الثقافية.
السياحة الصحراوية.
المنتجات الواحية.
الصناعات التقليدية.
المعرفة والتراث.
الاقتصاد الرقمي.
الطاقات المتجددة.
وتطوير البنية اللوجستية.
كل ذلك يمكن أن يجعل من آدرار ليس فقط منطقة تستفيد من التنمية، وإنما شريكاً في صناعة النمو الوطني.
والتحية أيضاً لأهل آدرار
أما أهل آدرار، فقد أثبتوا مرة أخرى أنهم أهل تاريخ ووعي ورقي.
كان في استقبالهم شيء من طبيعة المكان: هدوء الجبل، صبر الواحة، عمق التاريخ، وكرم الإنسان.
ولذلك لم أستغرب أن يكون الحضور بهذا المستوى، ولا أن تكون المناسبة بهذا التنظيم.
فالإنسان الآدراري يعرف قيمة الدولة، ويعرف قيمة الضيف، ويعرف كيف يحافظ على تقاليد المكان دون أن يعيش أسير الماضي.
وهذه معادلة نادرة:
أن تحترم الماضي دون أن تتوقف عنده، وأن تنفتح على المستقبل دون أن تفقد هويتك.
وهذا ربما هو الدرس الأهم الذي تقدمه آدرار اليوم.
الخلاصة
زيارة فخامة رئيس الجمهورية إلى آدرار ليست حدثاً عابراً ينبغي أن ينتهي بانتهاء موكب الزيارة.
إنها فرصة لقراءة مسار التنمية الوطنية من الميدان، ولفهم العلاقة بين الدولة والمجتمع، ولإعادة التفكير في مكانة المناطق التاريخية في الاقتصاد الوطني، ولتحويل المطالب المحلية إلى سياسات قابلة للقياس والمتابعة.
وإذا كان لي أن ألخص المشهد كله في عبارة واحدة فسأقول:
آدرار لم تكن في هذه الزيارة مجرد محطة رئاسية؛ بل كانت مرآةً للدولة وهي تنظر إلى نفسها من الداخل.
وفخامة رئيس الجمهورية، بما أظهره من هدوء في الخطاب، وحرص على الاستماع، ووضوح في عرض ما تحقق وما هو قيد الإنجاز وما هو مبرمج للمستقبل، قدّم في آدرار نموذجاً من التواصل السياسي الذي يستحق أن يُقرأ بعيداً عن الضجيج، وبمنهجية تضع الإنجاز في سياقه، والمشروع في أفقه، والمواطن في مركزه.
ولذلك، فإنني لم أفاجأ بخطاب فخامة الرئيس، ولا بمستوى الطموح، ولا بحفاوة أهل آدرار، ولا بجمال التنظيم.
كنت أنتظر من آدرار أن تكون آدرار… فكانت كذلك.
وكان يليق بالرئيس أن يلتقيها في مستوى تاريخها، وأن يقرأ حاضرها بعين المستقبل.
ويبقى الرهان الحقيقي، بعد انتهاء الزيارة، أن تتحول هذه اللحظة السياسية والتنموية إلى مسار مستدام من المشاريع والقرارات والنتائج القابلة للقياس.
فالدول لا تُبنى بالخطابات وحدها، ولا بالمشاريع وحدها؛
الدول تُبنى حين يتحول الخطاب إلى سياسة، والسياسة إلى مشروع، والمشروع إلى أثر، والأثر إلى ثقة متجددة بين المواطن والدولة.
د. محمدعالي الهاشمي
رئيس مركز المرابطون للدراسات الاستراتيجية







