شهد عام 1991 تحولات جيوسياسية ضخمة، فبينما كان حلف وارسو يحل رسميا وتفكك الاتحاد السوفيتي ينهي نظام القطبية الثنائية، دخل اتفاق وقف إطلاق النار في الصحراء الغربية حيز التنفيذ برعاية أممية دشنت بعثة المينورسو. واليوم، يعود العالم إلى الاستقطاب ذاته؛ لينتهي تفويض البعثة وتخلي معاقلها الخمسة الاستراتيجية في تيفاريتي، وبئر لحلو، ومهيريز، وميجك، وأغوانيت، مما يعيد طرح أسئلة مصيرية: هل تقف المنطقة على شفا بركان عسكري بعد انهيار صمام الأمان الدولي؟ وما الذي سيحدث ميدانيا بعد أن تلاشت الخطوط الحمراء وتُرك وراءها فراغ موحش وفتيل ينتظر عود ثقاب؟
ولقراءة ملامح هذا المشهد وفك شفرات التحولات المرتقبة، يمكن تفكيك الواقع الاستراتيجي للمنطقة عبر النقاط التالية:
1. تمتد هذه المنطقة منزوعة السلاح شرق وجنوب الجدار الرملي الدفاعي المغربي على مساحة 53 ألف كيلومتر مربع تشكل 20% من الإقليم، حيث يعد الجدار المدعوم بالرصد والمسيرات الخط الفاصل الحقيقي لعزلها غربا، في حين تشترك المنطقة في شريط تماس طويل مع موريتانيا يبلغ 1,564 كيلومترا وصولا إلى معبر الكركرات جنوب غربي البلاد، وبالمقابل، تتاخم شريطا حدوديا قصيرا وشديد الحساسية مع الجزائر يبلغ 41 كيلومترا يمثل خط الإمداد المباشر لجبهة البوليساريو مع مخيمات تندوف.
2. وفي ظل الفراغ الرقابي الحالي، تشير المعطيات الميدانية إلى أن القوات المسلحة الملكية المغربية هي الطرف المرشح بقوة للاندفاع العسكري لملء هذا الفراغ وبسط سيطرتها العملياتية، إذ يهدف المغرب من هذا التحرك إلى قطع الطريق أمام أي تمدد دائم للطرف الآخر، وتأمين هذه الأراضي بالكامل ممرات وجدرانا دفاعية تضمن استقرار حركة التجارة الإقليمية.
3. وأمام هذا الاندفاع المغربي، ستتركز ردة فعل جبهة البوليساريو على تبني تكتيكات هجومية مكثفة تعتمد القصف المدفعي والصواريخ متوسطة المدى، إلى جانب التوسع في استخدام الطائرات المسيرة، وتأتي هذه التوقعات في سياق تقارير متواترة كشف فيها مراقبون عن اتهامات لإيران بتدريب عناصر الجبهة على استخدام وتجميع المسيرات الانتحارية وتزويدهم بها عبر غطاءات إقليمية، لتوظيفها الآن في محاولة اختراق الجدار الدفاعي وتحييد التفوق الجوي.
4. وسيلقي هذا الصدام بظلاله فورا على معبر الكركرات، الشريان البري الوحيد الذي يربط أوروبا وشمال إفريقيا بغرب إفريقيا والساحل، حيث تتزايد احتمالية التوقف الكامل لحركة الشاحنات لدواعي أمنية مع اقتراب القصف والمسيرات من المحاور الحدودية، الأمر الذي سيؤدي إلى شلل اقتصادي واختناق حاد في سلاسل الإمداد، مما يتسبب في أزمة تجارية ومالية واسعة للمصدرين والمستوردين على حد سواء.
أما الانعكاسات على موريتانيا فتتخذ بعدين متباينين تفرزهما حسابات المدى القريب والبعيد، فبينما يمثل التوتر على المدى المتوسط خطرا أمنيا مباشرا يضع البلاد في مرمى التأثر بالمناوشات العسكرية المحتملة على طول شريط تماسها الحدودي، مع ما يجلبه ذلك من هواجس أمنية ومخاوف من تدفق موجات من النازحين أو تسلل مسلحين عبر الصحراء المفتوحة، فضلا عن الصدمة الاقتصادية التي تهدد الأسواق بنقص فوري في السلع نتيجة توقف شاحنات الكركرات، إلا أن هذه الأزمة ستحمل على المدى البعيد تحولات إيجابية عميقة، إذ ستشكل قوة ضغط وطنية تدفع الجانب الموريتاني لتطوير إنتاجه الزراعي المحلي وتسريع الاستثمار الفلاحي في ضفاف النهر والواحات تحقيقا للاكتفاء الذاتي وسدا للفراغ بشكل مستقل، وعلاوة على ذلك، فإن هذا التحول سيعيد صياغة الممرات الاقتصادية، مما يجعل دول الساحل الحبيسة تنظر إلى الموانئ الموريتانية، مثل نواكشوط ونواذيبو، كخيار استراتيجي آمن ومستدام للوصول إلى الأطلسي بعيدا عن خطوط العبور التقليدية المضطربة.
أحمد ولد أمبارك
رئيس مركز ديلول للدراسات الأستراتيجيجيو







