sliderتقاريرقصص إخبارية

حابي رباح.. حين تعبر أحلام البسطاء عتبة البرلمان

م نعمه عمر

لعل أجمل ما في دخول حابي منت رباح قبة البرلمان أن امرأة تشبه نساءنا الطيبات، اللاتي تحمل وجوههن شيئًا من الطمأنينة، قد حطّت رحالها هناك؛ في مكان تُرفع فيه الأيدي وتُصاغ القرارات، وحيث يُفترض أن تتردد أصداء البيوت البعيدة. امرأة إن نظرت إليها ألفتها، كأنما أطلّت عليك من تفاصيل طفولة مباركة، أو التقت خطاك خطاها على دروب الحياة. وحين تتحدث عن آمال البسطاء، تجد الروح تنصت قبل الأذن، والقلب يخفق معها بصدق الشعور.

تحضر مع حديثها وجوه أناس نحبهم ونسكن إليهم؛ أمٌّ تدعو أن يكون غد أبنائها أجمل، وأبٌ يبتلع قسوة أيامه لئلا يخدش بهجة الصغار، وشابٌّ يسند رأسه كل ليلة إلى وسادة من رجاء، عسى أن يحمل الصباح فرجًا يمحو كدر السنين. أمنيات نرددها كأنها تراتيل ألفناها، وننسى أحيانًا أن خلف كل أمنية قلبًا ينبض، وعمرًا يمضي في الانتظار.

هكذا يلامس حضور حابي وترًا رقيقًا في أعماق الروح؛ فهي قادمة من صميم تلك الحياة البسيطة، تحمل من بصيرة التجربة ما لا تمنحه الكتب وحدها: كيف يُقسَم القليل بالرضا، وكيف يصبر الناس على اللحظات الصعبة، وكيف يظل القلب معلّقًا بالرجاء. ولعلها، وهي تتحدث، تزرع في صدور من ألفوا الصمت شعورًا بأن أصواتهم قد بلغت أخيرًا، وأن في تلك القاعة من يفهم ما يتمنون.

ومن هنا تنبع غصّة الوجع حين يُنال منها بكلمات قاسية، ويُوصف وجودها بأنه «ثلمة» أو «عار». كم يحتاج المرء إلى قسوة في القلب ليرى امرأة تعبر إلى تجربة جديدة، فلا يستقبلها إلا بالصدود؟ وأي حزن تتركه هذه القسوة في قلوب نساء يشبهنها، كنّ يستعدن شيئًا من الفرح بقدومها، قبل أن يُلقى في أسماعهن ما يوحي بأن مكانة المؤسسة أرفع من أقدارهن؟

كم كان أيسر وأجمل أن نحيطها بنظرة رقيقة حانية، وأن نمنحها ما نرجوه لأنفسنا عند أول خطوة في طريق جديد: فسحةً للتعلّم، ووقتًا لاكتساب الخبرة، وإنصافًا حين تزلّ القدم. ففي البدايات شيء من الرهبة وانكشاف النفس؛ يُقبل الإنسان حاملًا آماله، ولا يدري بعد كيف ستتلقاه قلوب الآخرين.

وإن لم تكن قد أُتيحت لها فرصة التعليم، فلنضع الأمر في نصابه: أسفٌ على فرصة فاتتها، وحرصٌ صادق على أن تُفتح أبواب المعرفة لها ولكل من حُرموا منها. يكفي الإنسانَ ألمُ ما فاته، فلا نُتبع حرمان الأمس بإهانة اليوم، ولا نجعل من الأبواب التي أُغلقت في وجهه حجةً لإغلاق ما بقي من نوافذ النور.

آن الأوان أن نمدّ لحابي يد العون لتكتسب أدوات مهمتها، وأن ننتظر منها الاجتهاد، وأن نزن إنجازها بميزان العدل. فهي اليوم تحمل أمانة ثقيلة، ومن حق الناس عليها أن تكون أمينة على آمالهم، قريبة من حاجاتهم. والمحبة التي نرجو أن تُحاط بها ستكون عونًا لها على النهوض بالعبء، وتعلّم ما تحتاج إليه، واستمداد الشجاعة كلما وقفت لتتحدث باسمهم.

ولعلها، وهي تسمع نقاشًا حول الصحة، تستحضر أسرة أنهكتها تكاليف الدواء؛ وحين يُذكر التعليم، تلمح طفلة تنتظر فرصةً فاتت غيرها؛ وحين يدور الحديث عن الرزق، تتبيّن وجه شاب يبحث عن عمل يبدأ به حياته. هكذا تُثمر التجربة، ويجد الوجع القديم طريقًا إلى نفع الناس والتخفيف عنهم.

وفي هذا الرجاء الهادئ ترتسم ملامح موريتانيا التي نحب: بلادٌ تتسع لأبنائها وبناتها، يستطيع فيها الإنسان البسيط أن يرفع رأسه ويقول ما يجيش في صدره بلا خوف ولا خجل. وطنٌ تجد فيه المرأة من ينصت إليها، ويحترم كفاحها، ويؤمن بأن لها نصيبًا في تدبير الشأن العام، كما كان لها دائمًا نصيب وافر في حمل أعباء الحياة.

ولعل حابي، حين تتحدث عن الحرية والعيش الكريم، تلامس ذلك الحلم الوادع الذي نحمله جميعًا: بيتًا يملؤه الأمان، ورزقًا يكفي، وأطفالًا يكبرون في ظلال الطمأنينة، ووطنًا نشعر في رحابه بأننا بين أهلنا.

لهذا كله، يستحق حضورها أن يُستقبَل بالدفء والإنصاف، وأن تجد في الوجوه ابتسامة تعينها، وفي النقد الحكيم ما يبصّرها، وأن تكون خطوتها تحت القبة فاتحة خير لها ولمن ينتظرون أن تصل أصواتهم من خلالها.

وأتخيّل امرأة في ركن بيت هادئ بإحدى قرانا البعيدة، فرغت من بعض مشاغل نهارها، وجلست تتابع حديث “حابي” على الشاشة. تقترب قليلًا لتتبيّن ملامحها، ثم تلتفت إلى من بجوارها، وفي نبرتها ألفة ممزوجة بفرح خجول: «هذه واحدة منّا». وتعود إلى الإنصات، كأن شيئًا من حياتها قد عبر إلى تلك القاعة، ووجد أخيرًا مكانًا يتسع له.

م نعمه عمر

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى