نواكشوط – (الحرية نت): أعلن الوزير الأول المختار ولد أجاي، اليوم السبت، أمام الجمعية الوطنية، حزمة تعهدات لحماية القدرة الشرائية وتخفيف أعباء المعيشة، شملت تعويض تراجع دخول الموظفين والمتقاعدين، والتكفل المؤقت بجزء من فواتير الماء والكهرباء للأسر محدودة الدخل، وفتح مفاوضات لرفع أجور العمال الخاضعين للاتفاقية الجماعية، بالتوازي مع إصلاحات تستهدف القضاء والإدارة والاقتصاد والخدمات الأساسية.
وجمع خطاب السياسة العامة للحكومة بين عرض حصيلة السنوات الماضية والإقرار باستمرار أوجه القصور، مع التأكيد على أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تبني على ما تحقق، وتعالج الاختلالات، وتربط نتائج العمل الحكومي بتحسن ملموس في حياة المواطنين.
وفي مقدمة الإجراءات الاجتماعية، تعهد ولد أجاي بتعويض تراجع القدرة الشرائية للموظفين والمتقاعدين المدنيين والعسكريين، خصوصًا أصحاب الرواتب والمعاشات المحدودة، من خلال زيادات في الأجور والمعاشات أو تقديم دعم مالي مؤقت. كما أعلن عزم الحكومة دعوة الشركاء الاجتماعيين إلى مفاوضات عاجلة لرفع أجور العمال الخاضعين لنظام الاتفاقية الجماعية، بما يتناسب مع معدلات التضخم المسجلة منذ بداية الأزمة الدولية.
وتشمل التدابير المرتقبة التكفل المؤقت بجزء معتبر من فواتير الماء والكهرباء للأسر ذات الدخل المحدود، ضمن جهود تخفيف تداعيات ارتفاع الأسعار. ولم يتضمن الجزء المتعلق بهذا الإجراء تحديدًا لنسبة التكفل أو موعد بدء تطبيقه.
واستند الوزير الأول، في عرضه للحصيلة الاجتماعية، إلى رفع الحد الأدنى للأجور، وتضاعف اعتمادات الأجور في ميزانية الدولة بين عامي 2019 و2026، إلى جانب زيادات في الرواتب والعلاوات، من بينها زيادتان متتاليتان لأفراد القوات المسلحة وقوات الأمن خلال عامي 2025 و2026. وأشار كذلك إلى زيادة رواتب المدرسين وعلاواتهم خلال العام الجاري، واستفادة أكثر من 1300 مدرس، حتى الآن، من صندوق سكن المدرسين.
وقال إن الاعتمادات السنوية المخصصة لدعم أسعار المحروقات والكهرباء تجاوزت 80 مليار أوقية قديمة سنة 2026 وحدها، في سياق تدخل الدولة للحد من انعكاسات الأزمة الدولية على الأوضاع المعيشية.
وعلى مستوى التوجهات العامة، أوضح ولد أجاي أن برنامج الحكومة يستند إلى برنامج الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني «طموحي للوطن»، ويتوزع على خمسة محاور، عرض ضمنها أولويات بناء دولة المؤسسات، وتعزيز الاقتصاد، وتنمية رأس المال البشري.
وفي مجال إصلاح الدولة، تعهد بتطوير النظام الديمقراطي وإصلاح القضاء، وتعزيز حقوق الإنسان وحرية التعبير، وترقية دور الإعلام والمجتمع المدني، إلى جانب مكافحة الفساد وتطوير الإدارة العمومية والحكامة المحلية.
أما اقتصاديًا، فأعلن التوجه إلى إصلاحات هيكلية لتحرير الاقتصاد وتشجيع الاستثمار، وتمكين القطاع الخاص من دور أكبر في خلق الثروة وفرص العمل. وتشمل هذه التوجهات إعداد برنامج لتطوير البنية التحتية وتعبئة التمويلات اللازمة له، ووضع برامج للنهوض بالقطاعات التي تمتلك البلاد فيها مقدرات اقتصادية، مع مراعاة الاعتبارات البيئية.
وربط الوزير الأول نجاح هذه الإصلاحات بتطوير التعليم والتكوين والتشغيل والصحة والثقافة والرياضة، وإعطاء الأولوية لتأهيل الشباب، مؤكدًا أن الاستثمار في رأس المال البشري شرط لنجاح السياسات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، في إطار تعزيز الهوية الإسلامية والحضارية والثقافية للبلاد.
وفي تقييمه للحصيلة، أشاد ولد أجاي بأداء أعضاء الحكومة السابقة، وبما وصفه بجهود وإصلاحات شهدتها السنوات السبع الماضية في البنية التحتية والنفاذ إلى الخدمات الأساسية والمؤشرات الاقتصادية والتنموية. لكنه أقر بأن العمل الحكومي يظل جهدًا بشريًا لا يخلو من النقص والقصور، وقد يشوبه الخطأ أو سوء التقدير، وأن ما تحقق لا يزال دون طموحات الرئيس وانتظارات المواطنين.
واعتبر أن الحصيلة تبقى ناقصة ما دامت أسر تكابد لتأمين احتياجاتها اليومية، أو مرضى يعجزون عن الحصول على العلاج بسبب غياب الخدمة أو ارتفاع تكلفتها، أو أطفال خارج الفصول لاضطرارهم إلى العمل أو لافتقارهم إلى ظروف الدراسة. وربط اكتمال أهداف المدرسة الجمهورية بتوفير فرص تعليم مناسبة ومتكافئة لجميع الأطفال.
وفي ملف الخدمات الأساسية، شدد على ضرورة ضمان توفر الماء الشروب بصورة دائمة في المدن والأرياف، دون تحميل الأسر مشقة جلبه من أماكن بعيدة أو دفع مبالغ مجحفة للحصول عليه.
وتوقف عند اضطرابات الكهرباء، مقرًا بأن حادث احتراق المحطتين أثّر سلبًا في التحسن الذي سبق تسجيله في استمرارية الخدمة. وتعهد بمعالجة آثار الحادث بالتوازي مع إصلاح الاختلالات الهيكلية في الشركة الموريتانية للكهرباء، بما يعزز موثوقية الخدمة واستدامتها، مع أخذ توصيات لجنة التحقيق المستقلة في الاعتبار.
كما جعل توفير فرص العمل وصون كرامة المواطنين من معايير تقييم الأداء، مؤكدًا أن الجهد الحكومي سيظل ناقصًا ما دام الشباب يواجهون صعوبة في الحصول على عمل، أو يتعرض أي مواطن للتمييز بسبب لونه أو أصله أو وضعه الاقتصادي والاجتماعي.
وفي الجانب المؤسسي، ثمّن الوزير الأول التعاون بين الحكومة والجمعية الوطنية، معتبرًا أن نجاعة السياسات العمومية ترتبط بالتشريعات التي يقرها البرلمان وبما يمارسه من رقابة ومساءلة. ورأى أن تقبل الاختلاف في العمل بين السلطتين يعكس ترسخ مبدأ فصل السلطات واستقلاليتها.
ووجّه دعوة إلى القوى السياسية، في الأغلبية والمعارضة، لاستثمار أجواء الهدوء التي قال إن الرئيس أرسى دعائمها، وجعل الحوار والتنافس الديمقراطي وسيلة لتحسين السياسات والأداء العام. وأكد أن «الاختلاف حق، والنقد ضرورة، والتنافس الديمقراطي قيمة»، مع إبقاء المصالح العليا للبلاد ووحدتها واستقرارها فوق الحسابات الآنية.
وفي نداء إلى الشباب، دعاهم إلى المشاركة الفاعلة في بناء البلاد بما يمتلكونه من علم وإبداع وطاقة ومبادرة، وحثهم على مقاومة اليأس والإحباط والتثبت من الإشاعات والمعلومات المضللة، والانخراط في تقديم الحلول وصناعة المستقبل.
واختتم هذا التوجه بالتأكيد على أن موارد موريتانيا وثرواتها وكفاءاتها وموقعها تتيح لها فرصًا لنهضة تنموية حقيقية، شريطة حسن استغلالها. ودافع عن استمرارية العمل العام وتراكم نتائجه، مستشهدًا بتوجيه الرئيس إلى أن تبدأ كل حكومة من حيث انتهت سابقتها، فتضيف إلى ما تحقق، وتعالج ما اختل، وتفتح آفاقًا لما لم يتحقق بعد.







