ليت مسؤولينا اليوم امتلكوا عُشر عفة ونظافة يد ناظم القدسي، رئيس البرلمان السوري عام 1954، ذلك الرجل الذي سجّل في ذاكرة الشرف الإداري موقفًا لا يُنسى.
ففي ذلك العام، دخل القدسي قاعة البرلمان وجلس بين النواب، ثم أخرج من جيبه عددًا من صحيفة دمشقية محترمة، وقرأ عليهم خبرًا نشره مدير الجريدة يقول إن رئيس البرلمان أمر بتمرير شارع معبّد عبر قطعة أرض يملكها، لرفع قيمتها العقارية.
عندها نهض القدسي قائلًا بثقة ومسؤولية:
> “أطلب منكم تشكيل لجنة برلمانية تُعاونها لجنة فنية للتحقيق في هذه التهمة، فإن ثبتت صحتها، فانزعوا عني الحصانة وقدّموني للقضاء.”
لم يطلب حصانة، ولم يختبئ خلف المنصب، بل واجه التهمة بشجاعةٍ وشفافية.
وحين أثبت التحقيق أن التهمة لا أساس لها، لم يتشفّف أو ينتقم، بل أعلن أمام البرلمان عفوه عن الصحفي الذي كتب الخبر، شاكرًا له غيرته على المصلحة العامة ومؤكدًا أن قدسية الصحافة جزء من قدسية الدولة.
ذلك هو الفرق بين من يرى المنصب أمانة، ومن يجعله وسيلةً للثراء والتهرب من المساءلة.
من زمن القدسي إلى زمن “سوء التسيير”
في المقابل، كشفت محكمة الحسابات الموريتانية في تقريرها الأخير عن شبهات فساد تتجاوز أربعمائة مليار أوقية خلال عامين فقط، موزعة على قطاعات عامة مختلفة.
رقم مهول هزّ الرأي العام، وأعاد طرح السؤال الأقدم: من يحاسب من؟
لكن الصدمة لم تدم طويلًا، إذ خرج رئيس المحكمة نفسه في نقطة صحفية ليقلل من خطورة الأمر، قائلًا إن الأموال “لم تُختلس، بل ضاعت بسبب سوء التسيير”.
وكأن سوء التسيير صار عذرًا مشروعًا لضياع ثروة وطنية تعادل ميزانية وزارات بأكملها!
لو قرأ الرجل، وهو من أهل القانون، مقولة الفيلسوف والسياسي البريطاني بنيامين دزرائيلي لما قال ما قال، إذ أكد هذا الأخير:
> “الخطأ أبشع من الجريمة، لأنه يفتقد عنصر الإرادة.”
فالاختلاس جريمة إرادية، أما الإهمال فهو سقوط أخلاقي يضرب جذور الدولة في الصميم، لأن غياب الإرادة في صون المال العام يعني موت الضمير المؤسسي قبل موت القوانين.
الضمير الغائب… والذاكرة المفقودة
بين ناظم القدسي الذي استدعى البرلمان للتحقيق معه في شبهة عابرة، ومسؤولين يتبرؤون من ضياع مئات المليارات بحجة “سوء التسيير”،
تتجلى الهوة بين زمن تُدار فيه الدولة بالعفة والحياء، وزمن تُدار فيه الفضائح بالبيانات الصحفية.
إنّ موريتانيا اليوم لا تحتاج إلى تقارير إضافية بقدر ما تحتاج إلى رجال من طينة القدسي، ممن يعتبرون المنصب تكليفًا لا تشريفًا، والمساءلة واجبًا لا تهديدًا.
فحين يستيقظ ضمير الإدارة، تتراجع الحاجة إلى لجان التحقيق، وتكفّ الخزائن العامة عن النزيف، وتستعيد الدولة هيبتها أمام شعبٍ أنهكه التبرير باسم “سوء التسيير”.





