لسـتُ من الذين ينظرون إلى الوطن على أنه شرائح متناحرة، أو فئات متقابلة، أو جماعات تبحث كل واحدة منها عن نصيبها من الضجيج والصراخ. أنظر إلى الوطن كما هو: الجميع مهمّش بدرجات متفاوتة، والجميع مغبون، والجميع يحمل همومه ومعاناته بطريقته الخاصة.
أما حين ننطلق من المنطق الفئوي والشرائحي، فإننا نفتح الباب واسعًا أمام المرتزقة والعنصريين وتجار الأزمات، ونمنحهم الوقود الذي يعيشون عليه: الابتزاز، والصراخ، والعنصرية، وخطاب الكراهية. وهذه السياسة للأسف لم تولد من فراغ، بل غذّاها نظام الرئيس محمد ولد عبد العزيز حين فتح الأبواب لهذه الأصوات، وصنع منها واجهات، ومكّنها من الإعلام، ومنحها الامتيازات والصفقات، بل وقدمها في المؤتمرات الدولية وكأنها الممثل الوحيد لمعاناة المجتمع.
هؤلاء المتطرفون العنصريون لم يهبطوا من السماء، بل صنعتهم السياسات التي قسمت الوطن إلى فئات، ورسخت عقلية المظلومية الاستثمارية بدل عقلية المواطنة الجامعة.
أما نحن، فنؤمن بوطن واحد، يجمع جميع المواطنين على قدم المساواة، وطن لا تُختزل فيه قيمة الإنسان في لونه أو شريحته أو أصله، بل في مواطنته وانتمائه واحترامه للقانون. نؤمن بمنظمات وطنية تدافع عن الجميع، لا بمنظمات تبني حضورها على تمزيق المجتمع وإشعال الأحقاد القديمة.
علينا أن نبني الحاضر، ونعالج اختلالاته بعقل وحكمة، ونحضّر للمستقبل بروح مسؤولة. أما البكاء الدائم على الماضي، والدخول في محاسبة الأموات، وتحويل التاريخ إلى ساحة انتقام سياسي واجتماعي، فذلك لا يبني وطنًا ولا يصنع استقرارًا، بل يكشف ضعفًا وعجزًا عن تقديم حلول حقيقية للحاضر.
ثم إن الحقيقة التي يحاول البعض تجاهلها عمدًا هي أنه ليس كل الحراطين كانوا عبيدًا، وليس كل البيظان كانوا يملكون العبيد. المجتمع كان أعقد من هذه الصورة التبسيطية التي يروج لها دعاة الكراهية. فهناك عائلات كثيرة من البيظان لم تمتلك عبدًا واحدًا، وأنا شخصيًا أجدادي لم يكونوا من ملاك العبيد، وأمثالي كثيرون. ولذلك فإن تحميل أجيال كاملة مسؤولية تاريخ لم تصنعه، ومحاولة محاسبة الناس على أنسابهم بدل أفعالهم، ليس عدلًا ولا منطقًا، بل ظلم جديد يُرتكب باسم مقاومة ظلم قديم.
الوطن لا يُبنى بالأحقاد، ولا بالتصنيفات الضيقة، ولا بتحويل كل نقاش إلى معركة . الوطن يُبنى بالعدالة، والعلم، والعمل، واحترام الجميع تحت سقف دولة واحدة.
د.محمدعالي الهاشمي
@إشارة





