القضية التي يعاني منها المجتمع الموريتاني في جوهرها قضية وعي؛ وعي بأهمية التعليم، والصبر على مشقّة تحصيله، والإيمان بأنه الطريق الوحيد لتبديل الواقع الاجتماعي والاقتصادي..
ورغم أنه لا خلاف اليوم حول مبدأ المساواة، ولا جدال في أن أبواب المدارس والمحاظر مفتوحة أمام الجميع، فإن غياب الوعي ما يزال يشكل حاجزا حقيقيا أمام الوصول إلى تلك المساواة…
وهذا جزء مما يمكن تسميته بمخلفات الرق والتهميش التاريخي، أو بمخلفات البيئة الاجتماعية التي لم تدرك بعد قيمة التعليم بوصفه وسيلة للنجاة والترقي..
فإقناع أسرة من “آدوابة” مثلا بضرورة تعليم أبنائها، والصبر عليهم، وعدم دفعهم مبكرا إلى “لحريثة” أو الأعمال اليومية، هو المعركة الأولى نحو تحقيق تعليم متكافئ…
لا يمكن أن نترك مستقبل أبناء البلد رهينة لآباء وأمهات لا يدركون حجم التفريط حين يقطعون المسار الدراسي لأبنائهم، ثم نقول لهم لاحقا “لقد فتحنا المدارس للجميع، وتعلم أبناء غيركم، وتخلفتم أنتم، وذلك شأنكم”؛ فمثل هذا الكلام ليس إنصافا، بل تجاهل لمكمن الخلل الحقيقي…
لقد عرفت كثيرين من أبناء فقراء البيظان وصلوا اليوم إلى أعلى المناصب، رغم ظروفهم المادية القاسية… بعضهم كانت تعيله أم أرملة من دخل خياطة الوسائد والتطريز والحياكة، أو من بسطة (طابلة) صغيرة في السوق تبيع الخرز والحُليّ التقليدية…
وفي المقابل، انقطع أقران لهم من أبناء لحراطين عن الدراسة، رغم أن بعض أسرهم كانت تملك دخلا أفضل، فمنهم أبناء جزّارين، وبنّائين، ومنمّين، وبائعو مواش..
فالشيء الذي جعل تلك الأرملة المعدمة، تقتنع بأن التعليم هو الحل لوصول أبنائها، هو ما يغيب عن آباء وأمهات بعض مكونات المجتمع الأخرى. ..
ومع ذلك، فإن هذا اللاوعي ليس حكرا على شريحة دون غيرها، بل هو بلاء عمت به البلوى في شرائح ومناطق عديدة من المجتمع الموريتاني..
ففي بعض مناطق “كوش” بالحوض الشرقي مثلا، يصعب إقناع بعض الأسر هناك، بأن التعليم أهم من الهجرة إلى ساحل العاج والعمل المبكر..
ولو طُفت في عدد من القرى والمجتمعات الريفية في لعصابة والحوض الغربي لوجدت أن الطفل ما إن يتجاوز مستوى التهجي، حتى يدفع إلى السوق والعمل المبكر..
وطبعا على النقيض من ذلك، في مناطق أخرى، يتربى الأجيال منذ الصغر على احترام التعليم، والإيمان بأنه الطريق الأساسي لتغيير الواقع وتحسين المستقبل …
وهنا ينبغي تصحيح التصور الشائع الذي يختزل مجتمع البيظان في صورة المجتمع المتعلم أو الموظف، فداخل هذا المجتمع هناك تفاوت كبير في مستويات الوعي والتعليم، بل إن هناك فئات لا تملك، إذا جُردت من المظاهر الاجتماعية وحكايات الماضي، رصيدا حقيقيا من العلم أو الحضور المعرفي..
وهو ما يقودني إلى القول بأن أصل الإشكال يكمن في غياب الوعي، وهو واقع تشترك فيه مختلف مكونات الشعب الموريتاني بنسب متفاوتة، رغم أنه يظهر بصورة أوضح لدى مكون لحراطين..
والحل الحقيقي يبدأ من المدرسة الجمهورية، ومن خلق فضاء يحمي الطفل من التسرب الدراسي، ويضمن له الاستمرار في التعلم بعيدا عن ضعف الوعي الأسري…
ولا يكون ذلك إلا عبر إنشاء سكن داخلي للتلاميذ، يوفر بيئة تعليمية مستقرة، ويمنح أبناء الفقراء والمهمشين فرصة حقيقية للنجاح والتمييز والاستمرار…
محمد الإغاثة




