sliderالمبتدأ

نحو عقد وطني بلا إنكار و لا إقصاء

هارون الرباني

إنّ الجدل الدائر بين إعل ولد صنيبه و عزيز دِمِ وغيرهما من المدونين، لا يكشف في جوهره عن خلاف جذري لا يمكن رأبه، بقدر ما يفضح سوء فهمٍ مزمن لطبيعة الدولة الموريتانية ذاتها. فهو يضع في مواجهة قراءتين ناقصتين: قراءة تُطلق هوية الدولة إلى حدّ الإطلاق باسم الأغلبية التاريخية، وأخرى تُطلق التعدّد إلى حدّ تمييع المبدأ الوحدوي.
غير أنّ مستقبل موريتانيا لا يكمن لا في إنكار هويتها الغالبة، ولا في تفتيت رمزية الدولة، بل في صياغة تركيبٍ سياسي واعٍ، منسجم مع تاريخها الحقيقي.
ثمّة حقيقة أساسية كثيرًا ما تُهمَّش، رغم أنّها جوهرية:
جميع مكوّنات الشعب الموريتاني مسلمة بنسبة مئة في المئة.
وما يثير التساؤل في كثير من التحليلات ليس نقد السياسات العمومية في حدّ ذاته، بل العمى المستمرّ عن مركزية الإسلام بوصفه «واقعة اجتماعية شاملة» في موريتانيا. كيف يمكن لمحللين يزعمون الواقعية السياسية أن يتصرّفوا وكأنّ الإيمان، والمرجعيات الدينية، والمعايير الأخلاقية، والممارسات الاجتماعية اليومية، وتمثّلات العدل والظلم، والمخيال الإسلامي، لا تمارس أي أثر بنيوي في شرعية الدولة وسلوك الجماعة؟ إنّ هذا الإغفال ليس بريئًا؛ فهو غالبًا ما يعكس منظارًا تحليليًا مستوردًا، مشبعًا بمفهوم للعلمانية صاغته تواريخ أخرى، ومجتمعات أخرى، ومسارات دولا أخرى، وصراعات مغايرة. ومع الإصرار على إسقاط فئاتٍ تفسيرية لا تنبع من الواقع الموريتاني، ينتهي بعضهم ؛ بوعي أو من دونه ؛ إلى اقتراح «تطبيع علماني» لا تطلبه المجتمع، ولا ينسجم مع أسسه الروحية. إنّ تجاهل الإسلام بوصفه محدِّدًا مركزيًا لا يحدّث النقاش، بل يقطعه عن الواقع.

هذه الحقيقة ليست معطى سوسيولوجيًا عابرًا ولا خطابًا بلاغيًا؛ بل هي:
– قاعدة حضارية مشتركة؛
– مرجعية معيارية متقاسَمة؛
– رأسمال رمزي توحيدي يفوق بما لا يُقاس العِرق أو اللغة؛
– إطار فريد لشرعنة السلطة سياسيًا وأخلاقيًا في مسار البناء الوطني.

وفي التاريخ السياسي المقارن، نادرًا ما نجد دولًا متعدّدة تمتلك عامل وحدة بهذه القوة. فموريتانيا، من هذه الزاوية، ليست نيجيريا ولا لبنان ولا البوسنة.
الإسلام فيها ليس علامةً فئوية، بل أفقًا جامعًا، يؤسّس بالفعل لجلّ القانون والأخلاق العمومية والمخيال الجماعي؛ وهو يضبط عمليًا نظام الأحوال الشخصية — ولا سيما شؤون الزواج والإرث — وينظّم على نحو مفهوم علاقاتنا القانونية والاجتماعية.
وأيّ إعادة تأسيس وطنية جادّة لا بدّ أن تنطلق من هذه الحقيقة: وحدة موريتانيا دينية قبل أن تكون لغوية أو ثقافية.

إنّ الإقرار بالعربية لغةً رسميةً وحيدة للدولة ليس تنازلًا هويّاتيًا، ولا عنفًا رمزيًا موجَّهًا إلى بقية المكوّنات، بل هو خيار حضاري مبرَّر — وأعيد التأكيد — بحجج موضوعية:
• العربية هي لغة القرآن، والفقه، وعلم الكلام، ومصادر الشرعية المعيارية للدولة الإسلامية الموريتانية.
• في بلدٍ يتوحّد أهله على الإسلام، لا يمكن تحييد لغة الدين المشترك دون المساس بأساس الشرعية الرمزية للدولة.
• منذ قرون، شكّلت العربية الفصحى عماد التعليم التقليدي، والعرف القانوني، والإنتاج العلمي، والشبكات العابرة للصحراء، لمصلحة جميع مكوّنات المجتمع دون تمييز في الأصل أو الانتماء.

ثم إنّ أيّ دولة لا تتخلّى على المدى الطويل عن اللغة التي تحملها جماعاتها المهيمنة تاريخيًا دون أن تدخل أزمة شرعية عميقة. وهذا ليس خصوصية موريتانية، ولا أمرًا مدانًا أخلاقيًا، بل هو ثابت من ثوابت تشكّل الدول الحديثة.
وعليه، فإنّ جعل العربية لغةً رسمية لا يعني إنكار اللغات الأخرى، بل تثبيت لغة مرجعية للدولة، والقانون، والدين.

ومن الممكن — بل من الضروري سياسيًا — الاعتراف بالبولارية، والسوننكية، والحسانية، والولوف، كلغات وطنية محمية دستوريًا، لها وضع ثقافي واضح، وحضور في الإعلام العمومي، وتعليم مدعوم في معاهد متخصصة، وتثمين تراثي صريح.
هذا الاعتراف لا يضعف الدولة، بل يعزّز شرعيتها، لأنه يبرهن على أنّها لا تخلط بين الوحدة والتوحيد القسري.

الحلّ ليس في تعريب فجّ، ولا في الإبقاء على ازدواجية لغوية فوضوية، بل في هندسة تربوية عقلانية: مسار عربي متين ومُحدَّث؛ ومسار فرنكفوني مُعلن بوصفه لغة انفتاح وعلم؛ وازدواجية منظَّمة تضمن الحركية الاجتماعية.
فاللغة ينبغي أن تكون مصعدًا اجتماعيًا، لا حدًّا فاصلًا هويّاتيًا.

يمكن لموريتانيا أن تكون دولة عربية بلغتها الرسمية وبأساسها الديني، وأمّةً متعدّدة بتكوينها الإنساني والثقافي.
هاتان الحقيقتان لا تتناقضان، بل تُرتَّبان دون أن تُلغِي إحداهما الأخرى.
إنّ الحكمة السياسية تكمن في الترتيب دون إقصاء: لغة رسمية واحدة، ولغات وطنية متعدّدة، ومواطَنة متساوية، وذاكرة متصالحة.

تعلّمنا تجارب الأمم أنّ الدول لا تشتدّ عودها بمحو توتّراتها التأسيسية، بل بتجاوزها عبر سردية سياسية أسمى من الشقوق التي وُلدت منها. وموريتانيا ليست استثناءً من هذه القاعدة. فقد نشأت عند ملتقى فضاءين حضاريين، لكنها لم تُفكّر يومًا في ذاتها كجمعٍ ميكانيكي لهويات متنافسة. لقد تشكّلت منذ البداية حول أساس ديني مشترك ولغة مرجعية، مع احتضان تعدّد إنساني حيّ وحقيقي لا يُختزل.

وعليه، فإنّ التحدّي الموريتاني المعاصر ليس إعادة تأسيس راديكالية للدولة، ولا انكفاءً دفاعيًا على هوية جامدة، بل القدرة الجماعية على تحويل الإرث إلى مشروع: أن يكون الإسلام عامل وحدة مدنية لا أداة تمايز، وأن تكون العربية لغة استمرارية وحق، وأن تصبح التعدّدية اللغوية فضاء اعتراف هادئ.
فالدولة التي تُحسن حمل هذا الثلاثي لا تحتاج إلى تبرير ذاتها باستمرار؛ إذ تغدو مقروءة، متوقَّعة، متماسكة، مستقرة، وذات شرعية.

وبهذا فقط تستطيع موريتانيا أن تخرج من دوّامة السجالات الهوياتية العقيمة، لتدخل مرحلة أكثر صرامة: مرحلة تدبير التعدّد، لا بإنكاره، بل بعقلانية سياسية رفيعة. فالأمّة لا تبلغ رشدها الكامل إلا حين تكفّ عن الخوف من اختلافاتها، وتتعلم — أخيرًا — أن ترتّبها في خدمة مصيرٍ مشترك.

هارون الرباني
harounrab@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى