هل تفكك مجلس التعاون الخليجي والأمن العربي المشترك؟/ المستشار عبد الله ولدبونا

لايبدو مجلس التعاون الخليجي بخير ؛ ولابقية دول المشرق العربي .
لغة الأرقام تكشف جانبا من أسباب حدة الخلافات الاقتصادية التي تخفي خلفها عمق الخلاف السياسي .
تقول لغة الأرقام أن هناك دولا عربية تمر بضائقة اقتصادية صعبة هي سوريا و لبنان ومصر والأردن والبحرين وسلطنة عمان واليمن والعراق ؛ فسوريا وضعها المأساوي والإنساني بلغ ذروته ؛ ولبنان يعود كل مرة إلى مأزق التعطيل والفشل الاقتصادي كلما تم تعويمه ؛ ويحتاج معجزة للخروج من دوامة الفشل تلك، والأردن تجاوزت ديونه عتبة 50مليار دولار في ظل احتقان داخلي مشهود ؛ ومصر رغم حصولها على قرض صغير من البنك الدولي 3مليار دولار تسدد على 46 شهرا ؛ فهي مطالبة في نفس الفترة بسداد خدمة دين تقدر ب 42مليار دولار.
وليست البحرين ببعيدة من ضغط الدين الخارجي الذي تجاوز عتبة 45مليار دولار.
وتعاني سلطنة عمان من عجز في الميزانية هذا العام ناهز 3.7مليار دولار.
أما اليمن فهو يعيش أسوأ وضع اقتصادي تحت ثقل الصراع الداخلي والإقليمي وظرف الحرب التي لاتبقي ولاتذر .
وليس العراق أحسن حالا رغم ارتفاع مداخيله من البترول ؛ فهو يمر بأبشع مرحلة اقتصادية في تاريخه ؛ بؤس وفساد وانعدام خدمات .
السعودية والإمارات والكويت وقطر ؛ دول الثروة التي تعوم عادة كثيرا من الدول العربية بالهبات والمساعدات والقروض الميسرة والودائع من العملة الصعبة ؛ بدت مشغولة بهمومها الداخلية والتزاماتها وتحالفاتها الدولية التي قد تصل حد التناقض .
وتبدو مشاكل ديون دول جوارها رقما ضئيلا أمام رقم تكلفة حرب اليمن التي تقد ب1000مليار دولار أنفقتها السعودية والإمارات في حرب اليمن ؛ ثم بدأ تباين الرؤية لتلك الحرب يختلف بين الرياض وأبوظبي.
وجاء إسفين أزمة قطر مع بعض دول الخليج ومصر ليدق حده في قلب مجلس التعاون الخليجي بطريقة صدمت الشعوب الخليجية ذاتها.
أزمة حدثت فجأة وانتهت فجأة ولو ظاهريا.
لكن القرار السعودي برفض تعويم مصر والبحرين والأردن ولبنان بالطريقة المعتادة كان مؤشرا على تشكل تحالف محوري جديد جمعته قمة أبوظبي الأخيرة التي اتخذت من الاستقرار عنوانا.
الإمارات ترى أن الدعم لاقتصادات دول الخليج الهشة ومصر والأردن يجب أن يستمر بصورة أوأخرى ؛ وكذلك سوريا ووضعها الاقتصادي والإنساني المرير.
أمر يحتاج إلى رفع إنتاج بترولها الذي تعطل ثلثه بسبب تجاذبات أوبك ابلاس ؛ حين تريد السعودية خفض الإنتاج لتعزيز ثبات الأسعار ؛ وخلف هذا الخلاف داخل أوبك ابلاس تجاذب سببه التجاذب بين موسكو وواشنطن ؛ تجاذب من محركاته الحرب في أوكرانيا ؛ والصراع على سوق الخليج البترولي وأسواقه التجارية والخدمية.
الصين حاضرة في الخليج بقوة ؛ والسعودية لها سياسات مالية جديدة ومسطرة مشاريع داخلية ضخمة حسب رؤيتها للعام 2030 ؛ ورغبة جارفة في سحب شركات عالمية إلى سوقها بدل الاستسلام للتفوق الإماراتي في مجال الأسواق الحرة ؛ حيث توجد 44منطقة حرة في الإمارات ؛ 31 منها في إمارة دبي و10في أبوظبي ؛ والبقية في الإمارات الشمالية.
وقد بلغ حجم الصادرات الإماراتية إلى السعودية 10مليارات دولار سنويا ؛ أي ما يعادل 7.5%من صادرات الإمارات .
وبدا قرار السعودية بفرض جمارك على صادرات تلك المناطق الحرة إليها واشتراط عمالة إماراتية بنسبة 25% في مصانع الامارات خارج المناطق الحرة للسماح بدخول منتجاتها السعودية بضوابط مجلس التعاون ؛ وحظر السياحة السعودية في الإمارات المقدرة ب 2مليون سائح سنويا ؛ وتوقيف الرحلات التجارية المتبادلة (920) رحلة يوميا ؛ كل ذلك يعني حربا اقتصادية علنية ضد الإمارات ؛ التي لوحت بالانسحاب من أوبك كقرار سيادي .
وخلف هذا المستوى المتوتر اقتصاديا بين الرياض وأبوظبي تختفي ملفات حساسة تتعلق بالخلاف المزمن على ترسيم الحدود ؛ واحتلال السعودية لأراضي إماراتية بها حقول بترولية استراتيجية كانت حتى التسعينات تحت السيادة الإماراتية.
الحلف الجديد بقيادة الإمارات يرسم خريطة تجمع بين دول كانت أمس في خصومة مريرة مع بعضها فقطر حاضرة في الحلف والبحرين ومصر والأردن ؛ وغير بعيد عن المشهد تعيد آمريكا تموضعها المفاجئ بسحب قواتها ومخازنها العسكرية من قطر إلى الأردن ؛ وتتقارب بكين والرياض وموسكو بعيدا عن المظلة الآمريكية.
ويعيد اليمين الصهيوني المنطقة إلى المربع الأول ؛ ويتسارع ملف النووي الإيراني نحو مستويات تسخين لها مابعدها.
فهل تبقى شيء من مجلس التعاون الخليجي ؟
نحمد الله في موريتانيا أن ديوننا الخارجية ضيئلة قياسا على ناتجنا الصافي الذي يشهد تسارعا في النمو؛ ولدينا من مخزونات الثروة الخام ما يمكننا في غضون 6سنوات من تحقيق توازن اقتصادي يغنينا عن القروض الميسرة وغير الميسرة من البنك الدولي وصناديق وبنوك التنمية العربية والإفريقية والإسلامية .
وعلينا اتخاذ الاحتياطات لأثر صراع إخوتنا المشارقة بينهم وصراع العالم على أسواقهم ؛ فمايجري ليس إلا مقدمة لتنافس سلبي أعمق بين أشقاء نتمنى لهم الاستقرار والازدهار.
ولاشك أن مصر هي صمام أمان المشرق فإن ضعفت ضعف العرب وإن تعززت قوتها وأمنها واستقرارها استقر المشرق كله.
بقلم : المستشار عبد الله ولدبونا



