sliderالمبتدأ

واقع لحراطين بين ضرورة الإنصاف وخطر التوظيف

الأستاذ غالي ولد محمود

تظل قضية لحراطين واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية حساسية في المجال الوطني، لأنها لا تتصل بملف فئوي محدود ولا يمكن اختزالها في مطالب ظرفية عابرة، وإنما تمتد إلى صميم الأسئلة الكبرى التي تواجه الدولة والمجتمع: سؤال العدالة، وسؤال المواطنة، وسؤال الاندماج الوطني، وسؤال قدرة الدولة على تحويل المساواة القانونية إلى مساواة فعلية في الفرص والكرامة والحضور. ومن هنا، فإن تناول هذه القضية يحتاج إلى قدر كبير من الرصانة، لأن كل معالجة متسرعة لها قد تدفعها نحو أحد انحرافين متقابلين: إما نحو إنكار واقع اجتماعي له جذوره وآثاره، أو تحويل هذا الواقع إلى خطاب تعبوي يغذي الانقسام ويضعف الثقة بين مكونات المجتمع.
لقد عانى أبناء لحراطين – على مدى عقود طويلة – من تراكمات اجتماعية واقتصادية وثقافية عميقة، ظهرت آثارها في ضعف فرص التعليم ومحدودية التمكين الاقتصادي وهشاشة الحضور في بعض مسارات الصعود الإداري والسياسي والاجتماعي. وقد ولدت هذه الأوضاع شعورا واسعا بعدم الإنصاف لدى شرائح معتبرة، خاصة حين تقارن بين مبدأ المواطنة كما يعلنه القانون، وبين شروط الحياة اليومية التي تحدد قدرة الأفراد والجماعات على الوصول إلى التعليم والعمل والتمثيل والاعتبار الاجتماعي. لذلك، فإن الحديث عن واقع لحراطين لا ينبغي أن ينطلق من حساسية لغوية أو انزعاج سياسي من تسمية المشكلة، وإنما من إدراك وطني بأن العدالة الاجتماعية لا تكتمل بمجرد الاعتراف المجرد بالمساواة، ما لم تسندها سياسات عمومية قادرة على إزالة آثار الحرمان التاريخي وفتح مسالك حقيقية للترقي والاندماج.
إن الإنصاف – في هذا السياق – لا يعني منة تمنحها الدولة أو المجتمع لفئة من مواطنيهما، وإنما يمثل شرطا من شروط بناء الدولة الوطنية الحديثة. فكل مجتمع يترك داخله فئات تشعر بأنها أقل حظا في الفرص أو أضعف حضورا في المجال العام أو أقل قدرة على التأثير في القرار، يعرض تماسكه الداخلي لاختبارات صعبة، حتى ولو بدا السلم الاجتماعي مستقرا في ظاهره. ذلك أن الاستقرار الحقيقي لا يقوم على إسكات المطالب أو تأجيل الأسئلة، وإنما يقوم على تحويل الشعور بالغبن إلى برامج إصلاحية وتحويل الذاكرة المؤلمة إلى سياسات جبر اجتماعي وتحويل المواطنة من قيمة معلنة إلى تجربة معيشة يلمسها المواطن في المدرسة والإدارة وسوق العمل والعدالة والخدمات الأساسية.
غير أن خطورة هذا الملف لا تكمن في وجود مطالب إنصاف مشروعة، وإنما في احتمال انزلاقه إلى دائرة التوظيف السياسي والإعلامي. فقد تتحول المعاناة الاجتماعية، حين تنفصل عن خطاب وطني جامع، إلى مادة للمزايدة أو أداة لتعبئة الغضب أو وسيلة لإعادة تصوير المجتمع بوصفه كتلا متقابلة لا يجمعها أفق مشترك. ومثل هذا الاستخدام يضعف القضية نفسها، لأنه ينقلها من مجال الإصلاح إلى مجال الاستقطاب ومن منطق العدالة إلى منطق الاصطفاف ومن البحث عن حلول عملية إلى صناعة توتر دائم بين الذاكرة والمستقبل. وحين يحدث ذلك، يصبح الدفاع عن المظلومين مهددا بأن يتحول إلى خطاب يوسع دائرة الخوف بدل أن يوسع دائرة الإنصاف.
من هنا تبرز الحاجة إلى توازن دقيق في المقاربة؛ فالدفاع عن حقوق لحراطين يجب أن يبقى جزءا من مشروع وطني لإعادة بناء العدالة الاجتماعية، وليس مشروعا لعزل فئة عن بقية المجتمع أو وضعها في مواجهة رمزية معه. وفي المقابل، فإن الدعوة إلى الوحدة الوطنية لا تمنح أحدا حق الصمت على الاختلالات، ولا تصلح غطاء لتأجيل الإصلاح أو تمييع المطالب المشروعة. فالوحدة الوطنية لا تترسخ بطمس الجراح، وإنما بإدارتها بعقل الدولة وبالاعتراف بما وقع وبإصلاح ما يمكن إصلاحه وببناء ضمانات تمنع إعادة إنتاج التهميش في صور جديدة.
إن التجارب المقارنة تؤكد أن المجتمعات التي نجحت في تجاوز تركاتها الثقيلة هي تلك التي امتلكت شجاعة المصارحة الهادئة واعتمدت إصلاحا تدريجيا عادلا وربطت العدالة بالسياسات العامة لا بالشعارات وحدها. أما المجتمعات التي تركت قضاياها الاجتماعية رهينة المزايدات، فقد وجدت نفسها أمام ذاكرات متصارعة ومطالب تتغذى من الإحباط، ونخب تتنافس على تمثيل الألم بدل أن تتنافس على تقديم الحلول. ولذلك فإن ما تحتاجه موريتانيا اليوم هو مقاربة وطنية شاملة تعالج واقع لحراطين من خلال التعليم والتكوين والولوج العادل إلى الوظائف ودعم التمكين الاقتصادي وتقوية حضورهم في الحياة العامة، مع بناء خطاب وطني يحمي القضية من الابتذال السياسي والاستثمار الانتخابي الضيق.
وتقع على النخب السياسية والإعلامية والثقافية مسؤولية خاصة في هذا المجال؛ فمهمة الخطاب لا تقتصر على وصف الواقع فقط، لأنها تمتد أيضا إلى تشكيل هذا الواقع. وحين يتم استخدام الخطاب لتكريس التصنيفات الحادة أو لتغذية الإحساس المتبادل بالخوف والاتهام، فإنه يتحول إلى عامل تفكيك. أما حين يستخدم لتقريب المسافات وشرح الاختلالات وفتح أفق الإصلاح، فإنه يصبح أداة من أدوات بناء الثقة. ولهذا فإن معالجة قضية لحراطين تحتاج إلى خطاب يزاوج بين الوضوح والتهدئة، بين الاعتراف والإنصاف، بين نقد الاختلالات وحماية النسيج الوطني من التمزق.
وهكذا فإن قضية لحراطين ليست قضية فئة معزولة عن المجتمع، وإنما هي جزء من اختبار قدرة الدولة الموريتانية على بناء مواطنة متكافئة. وحلها لا يتحقق بالشعارات ولا بالمزايدات ولا بالخطابات الانفعالية، وإنما بإرادة سياسية صادقة وسياسات تنموية عادلة وإصلاحات مؤسسية ملموسة ومناخ اجتماعي يؤمن بأن قوة موريتانيا تكمن في وحدة شعبها وتكامل مكوناته. فكل تقدم يحققه لحراطين في التعليم والعمل والتمثيل والكرامة هو تقدم للمجتمع كله، وكل تأخر في معالجة مظاهر الإقصاء هو عبء على الدولة وعلى مستقبلها.
وفي النهاية، فإن التحدي الأكبر اليوم لا يتمثل في الاعتراف بوجود مظاهر إقصاء تحتاج إلى معالجة فحسب، وإنما يتمثل أيضا في حماية هذا الملف من التحول إلى أداة للانقسام. فحين تنتصر الحكمة على التشنج والعدالة على المصالح الضيقة والإصلاح الهادئ على التوظيف الصاخب، يصبح من الممكن بناء وطن يشعر فيه جميع أبنائه بأنهم متساوون في الانتماء والكرامة والأمل والمصير.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى